صفحات من كتاب إسرائيل في المغرب (1907) - ج.3

كتاب اسرائيل في المغرب

قبل قراءة هذا الفصل من الضروري أن تبدأ بالفصل الأول تجده هنا ثم يليه الفصل الثاني تجده هنا.

الفصل الثالث

كيف استطاع اليهود العيش في المغرب رغم كل هذا الاضطهاد؟

فلنلخص الوقائع المميزة لوضع "إسرائيل" في المغرب: إنه التكديس في "ملاحات" دون أدنى مقومات الراحة؛ والفقر؛ وسوء التغذية؛ وسوء المعاملة المستمر؛ والمجازر، فضلا عن اغتصاب النساء في كثير من الأحيان وفي كل مناسبة.

وعندما يعلم المرء ذلك، ويرى من جهة أخرى العدد الكبير نسبيا لليهود الذين يعيشون حاليا في المغرب، فإن أي شخص يمتلك حدا أدنى من الحس النقدي سيقوده ذلك إلى التساؤل: أولا، كيف يمكن أن يكون هناك هذا العدد الكبير من اليهود؟ وثانيا، كيف يمكن لهؤلاء اليهود أن يظلوا يهودا حتى الآن، طالما أن النساء قد تعرضن للاغتصاب أو البغاء في كثير من الأحيان؟

سأجيب عن هذا السؤال في فصل آخر، أما في هذا الفصل، فلنبحث كيف استطاع اليهودي، على الرغم من وضعه المروع، ألا يموت.

إذ لا يكفي أن نقول مع الكاتب البروكسلي البارز، السيد "إي. بيكار"، إن اليهودي لكونه "طفيليا" (حشرة)، فمهما سحق يتبقى منه دائما، فهذا في الواقع لا يعني شيئا، كما أن ما قرأناه أعلاه للسيد "هـ. م. ب. دي لا مارتينيير" ليس له معنى أكبر، وكذا فإن التكرار مع حشد من الكتاب الآخرين الذين لا أستطيع ذكرهم لكثرتهم، بأن اليهودي كان يجد الخلاص في خضوعه ومهانته ذاتها، لن يكون أمرا معقولا هو الآخر، فلكي يتمكن هذا المنبوذ (الباريا) الذي يتعرض باستمرار للمداهمات، والنهب، والسرقة، من البقاء دون أرض يزرعها، ويكسب عيشه تحت وطأة مراقبة طغاته؛ ولكي تتمكن هذه العائلات المحشورة في القاذورات، والتي غدت فريسة مستهدفة لجميع الأمراض والأوبئة، من البقاء على قيد الحياة؛ ولكي يستطيع الناجون من المجازر التي لطخت الملاحات بالدماء لمرات عديدة، إعادة تكوين عائلاتهم؛ فمن البديهي أنه لفهم هذه القوة الرائعة في المقاومة وحيويتهم الهائلة، لا بد من تفسير آخر غير فرضيّة "الحشرات" أو "الخنوع والمهانة".

وإليكم البيان.

إن هناك تعليمين، وكتابين، يخجل منهما اليهود اليوم في واقع الأمر —وأنا أتساءل حقا عن سبب ذلك— هما اللذان أنقذاهم في جميع الاضطهادات التي حلت بهم في كل البلدان.

فلكي يعيشوا، كان عليهم الدفاع عن أنفسهم ضد البشر (طغاتهم)، وضد الطبيعة التي جعلت منها ظروف "الغيتو" عدوا لهم أيضا، ومن ثم، كانا بحاجة إلى تكتيك للدفاع الاجتماعي وإلى نظام صحي.

وقد كان لديهم "التلمود" وتعاليم "ميمونيد" (ابن ميمون).

إن الكتاب، وحتى اليهود منهم، يدينون التلمود في جزء كبير منه، وهم على خطأ في ذلك، إذ لا ينبغي دراسة التلمود أو تقييمه عبر إسقاطه على الظروف الاجتماعية لمواطن فرنسي يهودي يعيش في باريس عام 1907، بل يجب العودة به إلى ظروف العصر الذي كتب فيه، وإلى الأوضاع الاجتماعية لـ "إسرائيل" المضطهدة التي جعلت منه أمرا ضروريا.

إن التلمود هو قانون مقاومة معد لاستخدام الضعفاء الذين يتعين عليهم الدفاع عن أنفسهم ضد الأقوياء، لقد كان شيئا شبيها بأدلة الخدمة الميدانية وقوانين التكتيك العسكري، وكون التلمود —عبر كل الحيل النابعة من عبقرية أمهر الحاخامات— قد منح اليهود فن خديعة "الغوي" (الأغيار - غير اليهودي) أو سرقته أو حتى قتله، ألم يكن ذلك أمرا مشروعا وضروريا، طالما أن "الـغوي" كان يضع اليهودي في تلك الظروف التي نعلمها؟ إنه لمن المثير للسخرية تماما إقحام اعتبارات الأخلاق أو اللاأخلاق حول هذه المسألة، فقد كانت تلك حربا يشنها المسيحي والمسلم ضد اليهودي، واليهودي، الذي لم يكن يريد الموت ويرغب في الوقت نفسه أن يظل يهوديا، كان يدافع عن نفسه.

إن خداعه، وحيله، وأكاذيبه، وعدم وفائه تبدو لي أمورا مماثلة لما يدرّس حتى اليوم في جميع المدارس العسكرية؛ حيث يلقن الجنود أنه يجب دائما محاولة خداع العدو، وأن الحيلة سلاح من أسلحة القتال، وأنه لابد من الكذب حتى لا يكون هذا العدو على علم بالحقائق، وأنه ليس من انعدام الوفاء في شيء أن يتم تضليله.

أما عن جبن اليهودي فيبدو لي أن تكتيك عظيم، حتى يومنا هذا، هو ذاك الذي يناور من أجل الهجوم بتفوق عددي، وعن طريق المفاجأة، ودون تعريض نفسه للخطر.

خسّةُ نفس اليهودي وقسوته ولكن يبدو لي أن قذيفة "الميلينيت"، أو الطوربيد، أو اللغم، أو الغواصة... بلى، ليتأمل المرء في ذلك...

الآن، إذا قيل إن هذه التنشئة الفكرية القائمة على التلمود لم تؤهل اليهودي تماما ليعيش كمواطن بين المسيحيين أو المسلمين، فإن عالم المنطق سيرد بأن تربية الفئات العسكرية، والعائلات العسكرية، والأفراد العسكريين، لن تكون هي الأخرى صالحة تماما لتنشئة مواطنين صالحين للعيش مع أناس مسالمين.

لن أسترسل في هذا. لقد أردت ببساطة أن أبين كيف استطاع اليهود —وهم لا يملكون قوة السيف، ولا يستطيعون زراعة الأرض، ومحشورون في "ملاحات" أشبه بالزنازين، وينهبون بمجرد أن يظن السجان أن لديهم بعض المال— كيف استطاعوا مع ذلك كله أن يعيشوا وسط المغاربة، كسماسرة، وكخدم، ودعونا نقول الكلمة، كمرابين. فلم يكن بإمكانهم فعل شيء آخر، وكان لزاماً عليهم أن يفعلوا ذلك، وقد علمهم التلمود كيف يتقنونه.

هذا فيما يخص المقاومة المعنوية والاجتماعية.

وإليكم ما يخص المقاومة الجسدية: سلامة الأفراد وسلامة العرق.

إن جميع المسافرين الذين دخلوا "الملاحات" المغربية قد تساءلوا كيف يمكن لبشر أن يعيشوا في دورتها.

ولم يكن ذلك عن رغبة ولا متعة من اليهود في البقاء هناك؛ ففي مدن الساحل، كما هو الحال في طنجة، غادروها بمجرد أن أتيحت لهم فرصة الخروج، غير أنهم أُجبروا طوال قرون على العيش في تلك البؤر الآسنة والملوثة، وقد تعايشوا معها لأنهم كانوا يملكون نظاما صحيا؛ فبينما كان التلمود يعلمهم كيف يدافعون عن أنفسهم ضد طغيان البشر، كانت تعاليم "ميمونيد" (ابن ميمون) تلقنهم كيف يدافعون عن أنفسهم ضد الظروف الطبيعية السيئة التي فرضها عليهم طغيان أسيادهم.

وقد لفت انتباه الدكتور "بيرثراند"، الذي تعد دراساته حول شمال أفريقيا مرجعا موثوقا، تلك القدرة العجيبة للعرق اليهودي على النجاة من الأوبئة، واكتساب مقاومة حيوية ومتوسط عمر من بين الأكثر تميزا، وأضاف أن هذا لا يمكن تفسيره إلا بوجود نظام صحي يفوق أي نظام آخر، ومن هنا انطلق في البحث، ليعثر على كتاب "مبادئ الصحة البدنية والمعنوية للإنسان"، لصاحبه "عرب موشي بن ميمون"، أو بعبارة أخرى الحاخام ابن ميمون، وبعد أن ترجمها السيد "كار كوس"، قام الدكتور بنشرها عام 1887 لدى دار النشر "روف" في الجزائر العاصمة.

عندما يقرأ المرء هذه المبادئ، وعندما يعلم أن الحاخامات كانوا يدرّسونها وأن اليهود كانوا يتبعونها في المغرب، حينها يدرك المرء كيف تمكنت أعراق "إسرائيل" في هذا البلد من البقاء على قيد الحياة، ومقاومة كل أسباب التحلل والمرض والموت التي حشدها خبث الإنسان ضدها.

سيكون من الطويل جدا هنا تحليل هذه المبادئ التي وضعها عالم مصر الكبير تحليلا كاملا، غير أننا سنشير إلى جوهرها فقط، ما هي الأسباب الرئيسية لفناء الجماعات البشرية التي وضعت في ظروف طبيعية سيئة؟

إنها، بالتزامن مع عدم كفاية الغذاء، الإفراط في الملذات الجنسية، وتناسي ما يفرضه مستقبل العرق على الفرد في مؤسسة الزواج.

وهي أيضا، بالتزامن مع الإقامة في أجواء ملوثة، التسممات الذاتية الناتجة عن سوء الهضم واحتباس الفضلات أو تأخر إخراجها.

إن علاج هذه الأمور يمثل جوهر النظام الصحي للمنبوذين... ولغيرهم على حد سواء.

الملذات الجنسية: أنتم تعرفون مقولة تلك المرأة البائسة للسيدة البرجوازية: "إنها تحلية الفقير"، ومقولة الفلاح: "فيم تريدون إذن أن نقضي أماسي الشتاء ولياليه الطويلة؟"، ما يقوله الفقراء وما يقوله الفلاحون، ربما لم يكن يهود الملاحات يقولونه، لكنهم بكل تأكيد كانوا يفعلونه.

لذلك، كان أحد أكبر اهتمامات ابن ميمون هو تنظيم ممارسة وطقوس هذه العلاقة التي فرضتها الطبيعة على البشر لكي تستمر البشرية،

ومن بين وصاياه وتوجيهاته، أقتبس:

«إن فعل التناسل هو قوة للجسد ونور للعينين، ولكن عند الإفراط فيه، تذبل حيوية الجسد وتفنى الحياة، وقد قال سليمان في حكمته: لا تعط قوتك للنساء.

وكل من يغرق في الإفراط مع النساء تتكالب عليه الشيخوخة والهرم؛ فتضيع قوته، وتضعف عيناه، وتنبعث رائحة كريهة من فمه وإبطيه، ويتساقط شعر رأسه وحاجبيه وأهدابه.

وعلى العكس من ذلك، يتكاثر شعر اللحية والإبطين والساقين؛ وتتخلخل الأسنان وتسقط، فضلا عن أمراض أخرى تكون وشيكة الحدوث، وقد قال الأطباء: رجل واحد من بين ألف يموت بمرض عاد، وألف يموتون بسبب الإفراط مع النساء، لذلك يجب اتخاذ الاحتياطات في هذا الشأن إذا كان المرء يبتغي العيش دون آلام.

ولا ينبغي إتيان فعل التناسل إلا عندما يشعر المرء أنه معافى وفي كامل قوته.

وعندما يكون الرجل في حالة رغبة، ومن .طريقة طبيعية وتلقائية، وبعد أن يوجه أفكاره نحو مواضيع أخرى، يشعر بأن رغبته لا تزال مستمرة، ويحس بثقل في كليتيه (قطنه - أسفل الظهر)، وكأن أعصابه مشدودة وجسده ساخن، فذلك يعني أنه بحاجة إلى إتيان فعل التناسل، وحينها يكون من الناحية الصحية القيام به.

ولا ينبغي الإقدام على الاتصال الجنسي في حالة الشبع التام ولا في حالة الجوع؛ بل يجب دائما الانتظار حتى تهضم الأطعمة.

وقبل العملية كما بعدها، يجب على المرء فحص نفسه ليرى ما إذا كانت هناك حاجة ملحة للتبول أو التبرز.

ولا يجوز ممارسة الاتصال الجنسي واقفا ولا جالسا، ولا في الحمام، ولا في اليوم الذي استحم فيه المرء، ولا في يوم الفصاد (الحجامة/الفصد)، ولا في وقت الاستعداد للسفر أو عند العودة منه إلخ...»

إن القول بأن هذه الوصايا الحكيمة قد طُبقت بحذافيرها من طرف يهود المغرب سيكون فيه نوع من المبالغة، لأن اليهودي المغربي إنسان في نهاية المطاف؛ فهو يحب الغزل وما يتبع ذلك. ودون أن أكون متلصصا، فقد عاينت الكثير في المغرب، ورسوماتي حقيقية.

إن شبقية يهودي شمال أفريقيا، التي استرعت انتباه جميع المراقبين، والمعادون للسامية قد عابوها عليه كثيرا، هي أمر حقيقي، فضلا عن ذلك، فإنها تُفسَّر الظروف الخاصة لوجود هذا العرق، الذي ظل لفترة طويلة جدا محبوسا، إذا جاز التعبير، في ملاحاته وغيتوهاته. فقد أجبر اليهودي، على مدى قرون، على العيش بذكائه وأعصابه أكثر بكثير من عضلاته، ولديه إرث وراثي طويل من النشاط الذهني المفرط. إن تدفق السيالة العصبية لديه يكون أكثر كثافة مقارنة بالبشر الذين يتميز ماضيهم الأجدادي بالتعب العضلي في الحقول، والذين يغلب عليهم أساسا تطور الدورة الدموية، والكائن الذي يتميز بهذه الطريقة بقوة أكبر في الوظائف الذهنية، عندما لا يصرفها في عمل ذكي، سواء في التجارة، أو البنوك، أو الفنون، أو الآداب، يصبح حتما شهوانيا غارقا في اللذات..

فهو منقاد بطبيعته نحو المرأة، وبالقدر نفسه من الطبيعية يُفرط في ذلك.

ويحدث هذا حتى للأشخاص الذين يملكون في مجالات أخرى متسعا لتوظيف نشاطهم الذهني، وكان بإمكانهم تجنب هذا الإفراط بسهولة أكبر؛ وهو ما نلاحظه في المغرب، والفارق الوحيد حينها بين أولئك المساكين البؤساء وبين الأثرياء، هو أن الصنف الأول لديهم... كيف عساي أن أقول هذا؟... خيارات أقل تطلبا من الآخرين. وبما أن المرأة مولودة من الرجل، فإنها تحمل الطبع والمزاج نفسه. وهذا الاستنتاج يجعلنا في غنى عن شروحات أطول؛ إذ يفهم المرء بسهولة سبب سعي الحاخامات الحثيث لكبح جماح شبقية مجتمعاتهم، ولماذا لا يجدون آذانا صاغية في كثير من الأحيان.

ولكن، هل هذا الأمر حكر على اليهود وحدهم؟

ماذا عن باريس...؟ أخشى أن حكمة ابن ميمون هناك ستكون أقل تقديرا بكثير مما هي عليه في الملاحات، رغما عن أنها ستكون على القدر نفسه من الفائدة، ودون الحاجة إلى استحضار أرواح بعض المشاهير الذين ماتوا لأنهم نسوا هذه الحكمة الحذرة، كم نرى كل عام من أشخاص يختفون... وكانوا سيظلون على قيد الحياة، أصحاء وأقوياء، لو أنهم قرأوا وتعاليم ابن ميمون واتبعوها!

إسرائيل في المغرب pdf

إرسال تعليق

أحدث أقدم