صفحات من كتاب إسرائيل في المغرب (1907) - ج.1

كتاب اسرائيل في المغرب



يعد كتاب "إسرائيل في المغرب" (1907) للصحفي الفرنسي جان هيس وثيقة تاريخية وأنثروبولوجية نادرة، ترصد ملامح المجتمع المغربي وتنوعه السكاني في مرحلة مخاض سياسي عسير قبيل فرض الحماية الفرنسية.


يجمع هذا العمل بين الاستطلاع الصحفي والتوثيق البصري عبر رسومات المؤلف الحية، مقدما نظرة "كولونيالية" فاحصة للحياة اليومية داخل الملاح المغربي والدور الاقتصادي والاجتماعي للجالية اليهودية آنذاك.

وتأتي هذه الترجمة لتضع بين يدي القارئ العربي نصا مرجعيا يساهم في فهم كيفية تشكل الرؤية الغربية للمغرب في مطلع القرن العشرين، مع الحفاظ على الأمانة في نقل أوصاف المؤلف وسياقاته التاريخية والجغرافية بدقة، وهي لا تعني بالدرجة الأولى توجه الموقع ولكن هي فقط لتقريب ما جاء في الكتاب للقارئ العربي عامة والمغربي على وجه الخصوص.


يمكن دراسة المسألة المغربية من وجهات نظر متعددة، وهو ما لم يغفل عنه المؤلفون؛ إذ علمنا من خلالهم أن المصالح السياسية، والمصالح الاقتصادية، والدسائس المالية للبنوك، ناهيك عن شرف العلم والحرص على المجد، كانت تقتضي تدخل جيش فرنسي في المغرب.

إن هذه الأسباب المتنوعة للحرب حقيقية، إلا أن أهميتها لم تكن سوى ثانوية، فالسبب الجوهري لعملنا العسكري هو سبب يهودي؛ إذ اختار إله إسرائيل قوتنا من أجل:

  • أولا، توطيد الرهن اليهودي على أملاك المخزن؛
  • وثانيا، لتحرير اليهود المضطهدين من قِبل المغاربة.
لقد أشار "أوسكار لينز"، أثناء دراسته للمغرب، إلى ما كان يهود هذا البلد يطلبونه من أوروبا، وكيف أنه كتب في جوهر كلامه: "هناك بلدان يكون فيها اليهود أقوياء، بل هم أسيادها إذا جاز التعبير، ومع ذلك لا يحررون إطلاقا أبناء جلدتهم الذين يئنون في الملاحات؛ فالبؤساء لا يستوعبون هذا التخلي عنهم.

لم يكن "أوسكار لينز" سوى مستكشف، لذا قد يعتقد المرء أنه أساء تقدير الطموح السياسي ليهود المغرب، لكن ها هو ذا تحذير أكثر وضوحا ودلالة ومن مصدر أكثر سلطة.

ففي سبتمبر 1902، كتب السيد "كاركاسون" في مجلة "المراجعة الإسلامية والصحراوية" (Revue musulmane et saharienne) ما يلي:

"لقد اكتسب يهود المغرب أهمية باتت الأمم الأوروبية مدعوة للاستفادة منها، متى عرفت كيف تشاء ذلك، وعلى فرنسا... أن تقتنع بأن عليها أن تحسب لهم حسابا وأن تعول عليهم، وعليها أن تواصل عملها... وأن تبدأ من الآن بحماية (اليهود المغاربة)، وعليها أن ترسل بأعداد أكبر المعلمين الذين تعلموا عندها، والمتشبعين بروحها، والقادرين على أن يزرعوا في هذا العرق اليهودي - الذي عانى من الاضطهاد طويلا ولا يطلب سوى استعادة حرية تطوير ملكاته - تطلعات الاستقلال الكامنة في أعماق القلوب."

هذه "المراجعة"، التي كان بإمكان المغاربة قراءتها، كانت تنشر تحت رعاية السيد "إيتيان" الذي كان يكتب فيها بنفسه.

وفي عام 1904، صرحت إحدى اللجان بما يلي:

"لا شيء يهم مصيرنا الوطني أكثر من مستقبل المغرب؛ فهذا البلد هو التتمة الضرورية لمجالنا الاستعماري في شمال أفريقيا."

وهذه اللجنة التي التفّت حول السيد "إيتيان" كانت "لجنة المغرب" (Comité du Maroc).

"... لا يمكنني أن أغض الطرف عن تلك الجهة التي أكدت، في هذا المساء تحديدا، كرمها الكبير كما تفعل دوما، بإرسالها لنا مبلغ 20.000 فرنك، لست بحاجة لتسميتها؛ فقد أصرت على أن تكون من بين أول المكتتبين الذين سيتيحون لنا تنظيم أنفسنا."

والواقع أننا مدينون بسياسة السيد "إيتيان" ولجانه، التي نظمتها "مؤسسة روتشيلد"، في وقوع أحداث الدار البيضاء والحرب التي بدأت لتوها.

وفي كتابي "المسألة المغربية" (la Question du Maroc)، الصادر في يناير 1903، كنت قد أشرت إلى هذا السبب اليهودي وراء تحركنا، حيث قلت:

"إن تحرر اليهودي المغربي سيتبع مباشرة استيلاءنا على البلاد"، وأضفت: "إن هذا ضروري، وهذا عادل... لكنه سيؤدي إلى قطع أعناق بضعة آلاف من المساكين."

وفي العام الماضي، عندما انتصرت أطروحة "التغلغل السلمي"، نشرت كتابي "الحقيقة حول الجزائر" (la Vérité sur l'Algérie)، وكتبت فيه:

"ألاحظ أن (الاتحاد الإسرائيلي) قد عرف كيف يحقق اتحادا بين أكثر الخصوم تضادا للتحرك ضد المغرب، فرجال الأعمال، وهم بالأحرى من محبي اليهود، يسيرون من أجل الربح المادي، أما معادون للسامية، وهم قوميون شوفينيون دعاة حرب، فقد ساروا من أجل الشرف ومن أجل العلم؛ وهم من خدموا مخطط (الاتحاد) على أفضل وجه، لأن العمل العسكري الفوري لم يكن يزعجهم البتة، وهذا العمل العسكري ضروري للوصول إلى النتيجة التي يسعى إليها (الاتحاد). إن العمل السلمي الذي قبله (الإنسانيون) يقاد بطريقة تمهد للعمل العسكري، إن لدى اليهودي السر في جعل الناس يسيرون وفق طبائعهم، وفي جعل قضيتهم تُخدم حتى من قِبل أولئك الذين يعتقدون أنهم أعداء لها.

لقد كان هذا هو الحال في بداية غزو الجزائر من أجل مصلحة يهودية، متمثلة في "قضية بكري"، ولو لم يكن باي تونس مدينا بمبالغ طائلة لممثل "مؤسسة روتشيلد"، لربما لم نكن متعجلين بهذا الشكل للذهاب إلى "باردو"، وبالتأكيد اليوم، لو لم يكن العجز المالي للمخزن لدى السيد "كوركوس" (Corcos) –وهو وكيل المؤسسة نفسها– كبيرا جدا، ولو لم يكن لدى جميع أغنياء اليهود في المغرب تلهف ليصبحوا متساوين مع نظرائهم في الجزائر، لما كانت الأحداث قد مهدت بهذا الذكاء للمأساة التي لُعب فصلها الأول لتوّه في الدار البيضاء.

الفصل الأول

فلننظر من هي "إسرائيل" في المغرب: عدد اليهود المغاربة وماذا يفعلون.

كان السيد "هـ. م. ب. دي لا مارتينيير"، في مقر وزارة الخارجية (الكي دورسيه)، أحد أكثر الفاعلين نشاطا وإصرارا في الدبلوماسية التي قادتنا مؤخرا إلى الدار البيضاء، تلك الدبلوماسية التي خدمت المصلحة اليهودية.

لذلك، من المثير للاهتمام قراءة ما كتبه السيد "هـ. م. ب. دي لا مارتينيير" بشأن موضوع "إسرائيل" في المغرب، حيث يقول:

"اليهود عديدون جدا في المغرب، على الرغم من عيشهم -خاصة في بعض مدن الداخل- في حالة من المهانة يصعب وصفها، فهم محصورون في أحياء خاصة ملعونة، ومعرضون لمعاملة سيئة للغاية، لكنهم ينجحون في تدبير شؤونهم وأعمالهم من خلال عملهم كوسطاء منبوذين، أما في المدن الساحلية، وبفضل الحماية التي يوفرها وجود التجار الأوروبيين، فإنهم يعاملون بشكل أفضل، يتحدث يهود الموانئ الإسبانية تقريبا، ويدعون انحدارهم من الإسرائيليين الذين طردوا من إسبانيا في القرون الوسطى؛ أما يهود الداخل فلا يتحدثون سوى العربية، وهم متعصبون، وفي أعماق قلوبهم يكرهون المسيحيين" (مذكرة عن المغرب، ص ٤٥)

ويقول لنا السيد "أوبان" (اسم مستعار لأحد وكلائنا القنصليين):

"أغلب اليهود يكسبون قوت عيشهم بصعوبة، لكن عدد التجار الميسورين، مراسلي الشركات الساحلية، يزداد يوما بعد يوم، وفي بعض المدن مثل مراكش ومكناس، تمتلك مكاتب البريد الأوروبية فروعا لها داخل 'الملاح'، والعديد من كبار الرأسماليين باتوا بالفعل مؤهلين للدخول في علاقات تجارية مع المخزن، ولا يوجد قائد قبيلة ليس لديه في أقرب مدينة يهودي يطلق عليه اسم 'شكارته' (حقيبته) ليقوم بالمهام المتعددة للمصرفي، والوكيل، ومخبر المعلومات... وعلى الساحل، وزعت الحماية الأوروبية على نطاق واسع بين اليهود." (المغرب اليوم، ص ٣٦٦)

من خلال هذه الحماية القنصلية التي وزعت على نطاق واسع، أدرك المغاربة أن التحرك السياسي للأوروبيين كان يتحقق لصالح اليهود، كما أن إنشاء مكاتب البريد داخل "الغيتوهات"(الأحياء اليهودية) أظهر لهم أن تحركنا الاقتصادي كان يخدم أيضا، وقبل كل شيء، المصلحة اليهودية.

كم يبلغ إذن عدد هؤلاء المحميين ومحميي المستقبل التابعين لأوروبا وللاتحاد الإسرائيلي، الذين من أجلهم نشن الحرب؟

هل هم بالملايين؟

لا. يقول "رولفس" و"دي فوكو" إن عددهم 40,000. بينما يعتقد "الاتحاد الإسرائيلي" أنهم 100,00، وتقول جريدة المناقشات (Débats) تقدرهم بـ 200,000، أما السيد "أوبان" فيقدم إحصائيات للمدن الرئيسية، وهي كالتالي: 14,000 في مراكش، 20,000 في الصويرة (موغادور)، 10,000 في طنجة، 8,000 في فاس، 6,500 في تطوان، 6,000 في مكناس، و5,000 في الدار البيضاء.

إسرائيل في المغرب

خلاصة القول، يوجد ما بين 150 إلى 200,000 يهودي في المغرب. لكن لشعب إسرائيل هذه المزية الغريبة في الظهور لنا دوماً في نوع من الخيالات التي نادراً ما تسمح لنا برؤيته على حقيقته؛ فحتى في المسائل القطعية المتعلقة بالأرقام، فإنه يوهمنا. فبالنظر إلى أهمية القضية اليهودية في المغرب، والدور الذي تلعبه الآن في مصائرنا، قد يظن المرء أن اليهود المغاربة عديدون للغاية. لقد كان وهماً مماثلاً لما حدث مع يهود الجزائر؛ فأنتم لم تنسوا مبالغات "معاداة السامية"، حيث كان المرء يُقسم بأن الجزائر كانت ترزح تحت وطأة الملايين من اليهود الأغنياء، وأن فرنسا بأكملها كانت ضرورية لتخليص المسيحي المنكوب والعربي البائس منهم.

ولكن بعد إجراء كافة الحسابات، لم يكن في الجزائر سوى 53,036 يهوديا موزعين على 12,132 أسرة؛ وكان عدد البروليتاريا (الطبقة الكادحة) منهم يبلغ 43,660 شخصا! حيث كان على 10,785 من المساكين، عبر أعمال غير مستقرة وبأجور بائسة، أن يعيلوا 32,875 شخصا، كما أن 4,971 أسرة لم يكن لها من مسكن سوى غرفة واحدة، و2,723 من هذه المساكن البدائية لم يكن يدخلها الهواء والضوء إلا عبر الباب... وأنتم تعلمون في أي سراب من القوة والثراء كنا نبصر اليهود الجزائريين، والأمر سيان اليوم بالنسبة ليهود المغرب الذين شرعنا في تخليصهم.

إننا ننسى بؤس "الملاحات"، وآلاف المتسولين، وآلاف الباعة المتجولين الصغار، وآلاف العمال البسطاء، لكي لا نفكر إلا في المصرفيين المدعومين من قِبل السيد "دي روتشيلد"، والتجار العشرين الذين يمدهم السيد "شنايدر" بالسلع، ومئات السماسرة الذين يشتغلون في تجارة الأموال، مائة شخص... لنقل إن عددهم خمسمائة، ولنقرّ بأنهم يمارسون الربا، ذلك الربا الشهير الذي قال عنه كاتب جزائري كبير إنه ولد كنشوء عفو من نتاج سفاح بين غياب رؤوس الأموال وانعدام الثقة، (برقية الجزائر، 25 ديسمبر 1897). ولنسلم بأنهم كثيرو الحركة، دسّاسون، صاخبون، ويعرفون ببراعة كيف يجعلون أنفسهم مرئيين، ومع ذلك، فإنه لظاهرة غريبة تلك التي لا تجعلنا نرى سوى هذه الفيلق من المرابين والإفلاس...

لأن ظروف تجارة الأموال وصناعة الائتمان اليوم لم تعد كما كانت في القرون الماضية.

قديما، ونتيجة لوضعه "خارج القانون" الذي كان يفرض عليه في كل مكان، كان اليهودي مضطرا، لكي يعيش، إلى الابتكار في التجارة خارج القانون، وبالنسبة لما يعادل "البنك" اليوم، فقد منحه هذا الوضع نفسه امتيازا؛ إذ إن شتات اليهود في جميع الدول، والعبودية التي كانت تفرضها عليهم جميع الدول، أعطت للممول والتاجر والسمسار والوسيط اليهودي قوة لم يكن ليملكها أي شخص آخر، لا مسيحيا ولا مسلما، فالمسألة ليست مسألة سرقة يهودية، ولا حتى مرونة مكتسبة أو دهاء متطورا، ولا حتى سوء النية المشروع، ولا حتى الاقتصاد الصبور، هي التي خلقت الهيمنة المالية وثروات اليهود؛ بل هي العبودية التي كان يبقيهم فيها المسيحيون والمسلمون.

فدون الحديث عن أوروبا، حيث كان المسيحي الألماني شبه متأكد من تعرضه للسرقة على يد مسيحي من مقاطعة "بروفنس" (والعكس صحيح) في أي تفاوض مباشر، انظروا إلى التجارة بين الدول المغاربية والعالم المسيحي: من كان الوسيط الإجباري؟ إنه اليهودي، لقد كانت هناك جاليات يهودية في أوروبا، وكان هناك مثلها في شمال أفريقيا؛ وبالنسبة لهذه الجاليات، كان لكلمة "مسؤولية" معنى رهيب، فالدفع الذي يتم لصالح سيد مسلم إلى يهود في أوروبا، كان المرء متأكدا من أن يهودي البلاد المغاربية سينقله بأمانة، والمرة الوحيدة التي لم يحدث فيها ذلك، كانت عندما احتفظ بونابرت وتاليران لنفسيهما بـ "حصة الأسد"، مما جعل "آل بكري" في الجزائر في وضع يستحيل معه دفع المبالغ التي كانت تدين بها الجمهورية للداي، وفيما عدا ذلك، كانت المعاملات تتم دائما بانتظام بفضل اليهودي، بل يمكن القول إنه لولاه، لما وجد التجارة المتوسطية لعدة قرون.

لكن اليوم، تغيرت ظروف التجارة، حتى في المغرب. إذ تزعم مطبوعة صادرة عن "لجنة المغرب" (ملحق عدد فبراير 1904، ص 44) أن الوسيط اليهودي لم يعد ضروريا هناك:

"نعتقد أن من واجبنا الاعتراض على تلك النصيحة التي نعتبرها خطيرة، والقائلة بأن اليهودي هو الوسيط الإجباري في المغرب...

يجب أن نلاحظ أولا أنه، على الرغم من عدم معاملتهم بقسوة كما في الماضي، فإن اليهود المغاربة، حتى أغناهم، لا يحظون بأي تقدير من قِبل السكان الأصليين... أما فيما يخص بائعي التقسيط، فستكون هناك خطورة على تجارنا في التعامل معهم."

وبمبلغ الـ 20,000 فرنك الذي اكتتب به "آل روتشيلد"، طبع هذا التقييم لنزاهة التجارة اليهودية في المغرب!

إن الواقع اليهودي في المغرب هو، من جهة، عدد هائل من العائلات المنكوبة التي تعيش في بؤس، والتي سينصبّ عليها غضب المغاربة في الأزمة الحالية، ومن جهة أخرى، هناك بضع عائلات غنية جدا، وقوية جدا، شريكة أو مرتبطة بالكبيرة في أوروبا. هذه العائلات ستحقق أرباحا طائلة من وراء تحول المغرب، وتحت هذه الأرستقراطية المتجسدة في "آل كوركوس"، توجد بضع مئات من العائلات الميسورة، التي تحرر جلّها تقريباً من "النير الإسلامي" بفضل الحماية القنصلية.

إن قوة "إسرائيل" في المغرب مرتبطة بقوة "إسرائيل" في أوروبا.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن "أولاد التازي" الذين ترك لهم "عبد العزيز" زمام الحكومة والذين أغرقوه بالديون من خلال القروض، هم من أصول يهودية، وهكذا، فإن العملية المالية التي أسلمت المغرب إلى أوروبا، لم تقتصر على وجود الوسيط اليهودي الإجباري فحسب، بل إن الوزير المسلم الذي نفذها كان ينحدر من "إسرائيل".

بل إن السلطان لديه رسميا في خدمته يهود لم يرتدوا عن دينهم؛ فرؤساء إدارة التبغ وإدارة "الكيف" في فاس هم من الإسرائيليين، وكذلك العديد من موظفي الخزانة، وأخيرا، وكما ورد أعلاه في اقتباس السيد "أوبان"، فإن جميع الشخصيات المغربية الرفيعة لديها يهودي كـ "رجل ثقة".

وإذا كان ما يحدث في المغرب لا يزال غير معروف بدقة تامة، فيمكننا على الأقل إدراكه بالقياس مع ما كان قائما في الجزائر قبل الغزو، وهو أمر معروف جيدا، إنه دور القائم على الثقة المطلقة الذي كان يلعبه اليهود إلى جانب الزعماء المحليين.

لذا، ثمة حقيقتان قد يجد المؤرخون ذوو الحس النقدي صعوبة في التوفيق بينهما: فمن جهة، هناك الاحتقار الشديد الذي كان المسلم يكنه لليهودي، ومن جهة أخرى، هناك الثقة المفرطة التي كان يضعها فيه.

ولتفسير ذلك، يتوجب دراسة سيكولوجية العرقين المتواجدين دراسة دقيقة للغاية، لكنني أعتقد، دون الذهاب إلى ذلك الحد، أنه قد يكفي التذكير بأننا نخطئ دائما عندما نجرد الأعراق التي نصفها في نمط مطلق؛ فهي تتكون دائما من أفراد، وهؤلاء الأفراد، رغم أنه يمكننا دائما أن نجد في كل منهم سمات معينة مشتركة بين جميع أفراد العرق، إلا أنهم لا يقلّون عن ذلك، في كثير من الأحيان، اختلافا كبيرا عن بعضهم البعض.

هناك يهود خانوا "عبد القادر" (الجزائري) على سبيل المثال بخدمتنا نحن، وهناك آخرون نتهمهم بخيانتنا لأنهم ظلوا أوفياء للزعيم الوطني للبلد الذي كانوا يعيشون فيه، لقد كانوا ببساطة أفرادا يختلفون عن بعضهم البعض، لأن الانتماء إلى نفس العرق لا يفرض بالضرورة على جميع أفراده نفس التصور للواجب أو الشرف، ولدى اليهود المغاربة نجد اليوم نفس هذا التنوع بين الأفراد؛ فمنهم من يخدم السلطان بإخلاص، والذين نصفهم نحن -مع أمثال "دي فوكو" و"دي لا مارتينيير" وغيرهم من المتعصبين- بأنهم أعداء للأوروبيين، ومنهم آخرون يعرضون خدماتهم بوضاعة لأوروبا، ويخلصون لنا، ويعاملهم المغاربة كمرتدين.

كذلك، إذا كان هناك الكثير من التجار غير الموثوقين؛ وإذا كان هناك من يمارسون ببراعة أسلوب رفض استلام الطلبيات التي وصلت إلى الجمارك لشرائها لاحقا بأسعار بخسة؛ وإذا كان هناك من يحترفون تزوير صكوك الملكية، أو من يسكون العملة المزيفة، إلى آخر ذلك... فإن هذا لا يمكن أن يعني عدم وجود شرفاء بينهم، بل هم موجودون؛ لأن الجاليات اليهودية في المغرب ليست كتلة صماء مكونة من مادة واحدة، بل هي عناصر بشرية وفردية، وفي كل مجتمع بشري، هناك الصالح والطالح، ألم نتعلم أن الله وحده هو من يفصل بين الأخيار والأشرار، ولكن بعد موتهم فقط؟

انتهى الفصل الاول سيتم نشر الفصل الثاني في اقرب وقت.


إرسال تعليق

أحدث أقدم