المهدي بن تومرت وتأسيس الأيديولوجيا الموحدية

 

صورة تخيلية للمهدي بن تومرت

تاريخ المغرب

تعد شخصية محمد بن عبد الله بن تومرت، الملقب بالمهدي، واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والتحليل في تاريخ الغرب الإسلامي، حيث لم تكن حركته مجرد انقلاب سياسي على سلطة المرابطين، بل كانت مشروعا "ثوريا" متكاملا استهدف إعادة صياغة الوعي العقدي والاجتماعي والسياسي لسكان المغرب والأندلس.1 


ولد ابن تومرت في بيئة جبلية قاسية في قبيلة "هرغة" المصمودية بالأطلس الصغير في منطقة سوس الأقصى، وهي البيئة التي صقلت شخصيته ومكنته لاحقا من توظيف "العصبية" القبلية لخدمة أهداف دينية وسياسية بعيدة المدى،1 اختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادته بدقة، فتراوحت الآراء بين عامي 469 هـ و491 هـ، إلا أن الثابت هو نشأته في بيت عرف بالنسك والرباط، حيث كان والده يلقب بـ "أمغار" أي الشيخ، بينما لقب هو في صباه بـ "أسفو" التي تعني المشعل أو الضياء بالأمازيغية، نظرا لملازمته المساجد وإسراجه للقناديل بغرض القراءة والتهجد.3

  • الجذور والنشأة: من "إيجلي" إلى مراكز العلم العالمية

إن فهم ظاهرة ابن تومرت يستوجب الغوص في تفاصيل نشأته الأولى في قرية "إيجلي" بسوس، حيث تلقى تعليمه الأولي وحفظ القرآن الكريم ودرس مبادئ العلوم الشرعية.4 تميز منذ صغره بجد واجتهاد نادرين، وكان يظهر عليه ميل طبيعي نحو التقوى والورع، وهو ما جعل قبيلته تكن له احتراما كبيرا منذ نعومة أظفاره.2 لم يكتفِ ابن تومرت بالتحصيل المحلي، بل دفعه طموحه المعرفي إلى الارتحال طلبا للعلم في رحلة ماراثونية استغرقت نحو خمسة عشر عاما، طاف خلالها بأهم الحواضر العلمية في ذلك العصر.5

  • مسار الرحلة العلمية الكبرى وأهم المحطات الفكرية

المحطة العلميةالأثر الفكري والمنهجيالمصادر والأساتذة
قرطبة (الأندلس)التشبع بالمدرسة الحزمية ونقد التقليد الفروعي

علماء قرطبة والمذهب الظاهري 6

مدينة المهديةبداية ممارسة الإنكار العلني وتغيير المنكر

ابن الأثير وعلماء إفريقية 4

الإسكندرية والقاهرةالتعمق في أصول الفقه والمنطق والجدل

أبو بكر الطرطوشي 4

بغدادالتأثر بالمدرسة الأشعرية ومنهج الغزالي

أبو حامد الغزالي (لقاء مفترض) 4

مكة المكرمةتعميق المعارف الحديثية وأداء المناسك

فقهاء الحجاز 4

بدأت رحلته في حدود سنة 500 هـ، وهو التوقيت الذي شهد ذروة تمدد الدولة المرابطية في الأندلس.6 في قرطبة، تشرب ابن تومرت أفكار ابن حزم، وهو ما يفسر شدته اللاحقة في مناهضة المذهب المالكي "الفروعي" السائد آنذاك، واعتماده على الظاهر ورفض القياس في العقيدة.6 وعندما انتقل إلى المشرق، نزل بالإسكندرية حيث لازم الإمام أبا بكر الطرطوشي، ومن ثم حج إلى مكة حيث بدأ أولى محاولاته في "الإنكار" قبل أن يتوجه إلى بغداد التي كانت منارة علمية كبرى.4

  • اللقاء مع الغزالي: الأسطورة والواقع التاريخي

تعتبر واقعة لقاء ابن تومرت بالإمام أبي حامد الغزالي في بغداد من النقاط المفصلية التي توقف عندها المؤرخون طويلا. تحكي الروايات الموحدية أن ابن تومرت دخل على الغزالي وأخبره بإحراق المرابطين لكتابه "إحياء علوم الدين" في مراكش، فما كان من الغزالي إلا أن دعا عليهم بزوال ملكهم، وقال لابن تومرت: "مزق الله ملكهم كما مزقوه"، متنبئا له بأنه سيكون أداة هذا الزوال.4 ومع ذلك، يميل مؤرخون معاصرون مثل أمبروسيو هويسي ميرندا إلى التشكيك في وقوع هذا اللقاء ماديا، مستندين إلى فروقات زمنية في الكرونولوجيا، حيث غادر الغزالي بغداد قبل وصول ابن تومرت إليها.5

إلا أن الأهم من اللقاء المادي هو "اللقاء الفكري"؛ فابن تومرت عاد من المشرق وهو يحمل منهجا أشعريا صرفا في العقيدة، متأثرا بالمنطق الغزالي والنزعة الصوفية الأخلاقية.1 لقد كان الغزالي يمثل في المشرق ثورة على الجمود الفقاهي، وهو تماما ما أراد ابن تومرت تطبيقه في المغرب.4 لقد وظف ابن تومرت رواية اللقاء كأداة "دعاية" قوية لإضفاء شرعية قدسية على حركته، مصورا نفسه كمنفذ لغضب علماء المشرق على تعصب فقهاء المرابطين.5

  • البناء العقدي: التوحيد، العصمة، والمهدوية

إن المحرك الأساسي للدعوة الموحدية كان عقيدة "التوحيد" التي صاغها ابن تومرت لتكون معيارا حادا يفصل بين "المؤمنين" (الموحدين) و"الكفار" (المرابطين الذين سماهم المجسمين).10 ارتكز فكره العقدي على تنزيه الذات الإلهية عن أي تشبيه أو تجسيم، وهو ما جعله يهاجم المرابطين بعنف لأنهم كانوا يمرون آيات الصفات على ظاهرها، معتبرا ذلك شركا مخرجا من الملة.10

تجلى هذا الفكر في كتابه الشهير "أعز ما يطلب" وفي "العقيدة المرشدة"، التي تضمنت نصوصا بليغة في التنزيه، حيث يقول فيها أن الله "موجود قبل الخلق، ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت.. ولا يتخصص بالمكان ولا يشغله شأن عن شأن".12 ولم يكتفِ ابن تومرت بالجانب اللاهوتي، بل أضاف إليه ركيزتين سياسيتين:

  1. عصمة الإمام: حيث ادعى أن الإمام يجب أن يكون معصوما ليقود الأمة إلى الحق، واعتبر نفسه هذا الإمام.11

  2. المهدوية: أعلن صراحة أنه "المهدي المنتظر" الذي سيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، مستندا إلى أحاديث نبوية أولها لصالحه، ورفع نسبه ليكون من آل البيت (من ذرية الحسن بن علي) لتعزيز هذا الادعاء، رغم أنه كما قلنا في أول النص أنه من قبيلة هرغة المصمودية.1

  • الهيكل التنظيمي للدولة: من القبيلة إلى المؤسسة

أثبت ابن تومرت عبقرية نادرة في تنظيم أتباعه، حيث لم يترك الأمور للعفوية القبلية، بل وضع هيكلية هرمية دقيقة ضمت أربع عشرة طبقة، تهدف إلى ضمان الولاء المطلق والفعالية العسكرية والإدارية.15 كان هذا النظام يهدف إلى صهر التنوع القبلي في بوتقة "الجماعة الموحدية".15

  • الهيكل التنظيمي والطبقي للحركة الموحدية

الطبقة / الهيئةالدور والمسؤولياتالمكونات البشرية
أهل الجماعة (مجلس العشرة)الهيئة الاستشارية العليا والقيادة التنفيذية

المقربون الأوائل مثل عبد المؤمن بن علي وعمر الهنتاتي 16

مجلس الخمسينمجلس استشاري يضم زعماء القبائل الموحدية

رؤساء قبائل هرغة وتينمل وهنتاتة 15

مجلس السبعينالتعامل مع الشؤون العامة وحل مشاكل القبائل

ممثلو القبائل المصمودية المختلفة 8

جماعة الطلبةالدعاة المثقفون والكوادر الإدارية والتعليمية

النخبة المتعلمة التي أتقنت العقيدة التومرتية 15

جماعة الحفاظالتوجيه الديني والعسكري وحفظ نصوص المهدي

الفقهاء الذين تولوا تعليم العامة وتدريب الجند 15

هذا التنظيم المؤسسي سمح لابن تومرت بإدارة شؤون أتباعه بدقة متناهية؛ فمجلس العشرة كان بمثابة "الوزراء" الذين يتخذون القرارات الاستراتيجية، بينما كان "الطلبة" و"الحفاظ" يشكلون الجهاز البيروقراطي والدعائي الذي يضمن وصول أفكار المهدي إلى أصغر وحدة في المجتمع المصمودي.15 وقد وصل انصياع الأتباع لهذا النظام إلى حد استعدادهم لقتل ذويهم إذا أمر المهدي بذلك، وهو ما يعكس قوة "العصبية الأيديولوجية" التي بناها.14

  • الصراع مع المرابطين: المواجهة العلمية والعسكرية

بدأت المواجهة الحقيقية عندما دخل ابن تومرت إلى مراكش، عاصمة المرابطين، وبدأ في إنكار ما اعتبره "منكرات" في الأسواق، مثل تبرج النساء واختلاطهن بالرجال وبيع الخمر.8 أدت هذه التصرفات إلى استدعائه لمناظرة كبرى أمام الأمير علي بن يوسف بن تاشفين وفقهائه.18 في هذه المناظرة، استطاع ابن تومرت بفضل تمكنه من علوم الجدل والكلام أن يفحم فقهاء المالكية الذين لم يكونوا معتادين على هذا النوع من النقاش العقلاني، مما جعل الأمير المرابطي يتردد في قتله ويكتفي بنفيه.18

لجأ ابن تومرت بعد نفيه إلى جبال الأطلس، وتحديداً إلى منطقة "تينمل"، التي اتخذها قاعدة عسكرية وروحية منيعة.8 من هناك، بدأ في شن غارات منظمة على القوات المرابطية، وشارك بنفسه أو وجه أصحابه في تسع غزوات كبرى، حقق الموحدون في أغلبها انتصارات ساحقة، مما أدى إلى تضعضع نفوذ المرابطين في الجنوب المغربي.19 لم يكن الهدف مجرد الغنائم، بل كان "تطهير الأرض" من سلطة اعتبرها ابن تومرت فاقدة للشرعية الدينية.10

  • حركة التمييز: التطهير بالدم

تعد "حركة التمييز" أو "الاعتراف" واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ ابن تومرت، حيث لجأ إليها لضمان خلو صفوف أتباعه من أي شك أو معارضة.1 بدأت هذه العملية في حدود سنة 524 هـ، وقادها "البشير الونشريسي" بأمر من المهدي، حيث طُلب من كل قبيلة أن "تميز" الصادقين من المنافقين.14 أسفرت هذه المذبحة المنظمة عن مقتل ما يقارب 32,030 شخصا من المصامدة أنفسهم، ممن شك ابن تومرت في ولائهم أو الذين عارضوا بعض توجهاته المتطرفة.1

كانت غاية "التمييز" خلق مجتمع منسجم تماما مع الرؤية التومرتية، وهو ما نجح فيه بالفعل؛ إذ بعد هذه العملية "هدأ الله البلاد للموحدين" وأصبح الجيش كتلة واحدة صماء تنفذ الأوامر دون مراجعة.14 ويرى المحللون أن هذا العنف كان وسيلة "إكراهية" لغرس فكرة العصمة والمهدوية في نفوس قبائل لم تكن كلها مقتنعة بالعمق الفكري للدعوة، ولكنها خضعت بقوة السيف والتصفية الجسدية.14

  • الانتكاسة الكبرى: معركة البحيرة وحصار مراكش

في ذروة ثقة الموحدين بأنفسهم، قرروا مهاجمة مراكش مباشرة والاستيلاء عليها. سيروا جيشاً ضخماً قُدر بـ 40 ألف مقاتل وحاصروا المدينة لمدة تسعة أشهر، مما عرض سكانها لمجاعة شديدة.22 اضطر الأمير علي بن يوسف للخروج لمواجهتهم، ودارت معركة طاحنة في 2 جمادى الأولى 524 هـ (1130 م) في منطقة عرفت بـ "البحيرة" أو "البستان" خارج أسوار مراكش.24

انتهت المعركة بكارثة مروعة للموحدين، حيث هُزموا هزيمة نكراء وقُتل معظم قادتهم وجيشهم، ولم ينجُ من القادة الكبار إلا عبد المؤمن بن علي في نفر قليل.23 كانت هذه الهزيمة صدمة عنيفة للمشروع الموحدي الذي كان يصور نفسه كقوة لا تُقهر بفضل المدد الإلهي وعصمة المهدي.23

  • رحيل المهدي واستمرار المشروع

توفي ابن تومرت بعد معركة البحيرة بثلاثة أشهر (في رمضان 524 هـ)، وكان وقت المعركة مريضا في تينمل.3 أدرك المقربون منه أن إعلان وفاته في ذلك الوقت الحرج قد يؤدي إلى تفكك الحركة، فأخفوا خبر موته لمدة قيل أنها وصلت إلى ثلاث سنوات، ظلوا خلالها يصدرون الأوامر باسمه لضمان استقرار الولاءات القبلية.1

خلال هذه الفترة، تم ترتيب انتقال السلطة إلى عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي وصفه ابن تومرت بأنه "غلاب الدول".3 استطاع عبد المؤمن أن يحول "الحركة الدعوية" إلى "إمبراطورية عظمى"، ومد سلطانها ليشمل المغرب كله والأندلس وأجزاء من إفريقية (تونس)، محققا نبوءة ابن تومرت بزوال ملك المرابطين ودخول مراكش عام 541 هـ.3

  • الأثر الثقافي واللساني: بربرة العقيدة

لم يكن ابن تومرت يهدف إلى تعريب البربر، بل أراد "أسلمة" البربر بلغتهم وثقافتهم. ومن هنا، قام بترجمة أمهات الكتب العقائدية إلى اللسان الأمازيغي، بل وترجم الأذان والفاتحة لتقرأ بالأمازيغية في بدايات الدولة.11 كان هذا التوجه يهدف إلى كسر احتكار الفقهاء العرب للشرعية الدينية وجعل الدين متاحا ومفهوما للعامة من المصامدة، وهو ما يفسر الارتباط الوجداني العميق الذي أبداه الأمازيغ لدعوته.28

كما ابتكر الموحدون رموزا جديدة للسيادة، منها "النقود المربعة" التي خالفت التقليد الدائري السائد، لتميز دولتهم عن غيرها.17 إن هذا المزج بين العقيدة الأشعرية واللسان الأمازيغي والتنظيم المؤسسي الصارم جعل من "الموحدية" ظاهرة حضارية فريدة استمر أثرها الفكري في المغرب لقرون، حتى بعد سقوط الدولة سياسيا.29


المصادر التاريخية المعتمدة في البحث

  • أخبار المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحدين - أبو بكر بن علي الصنهاجي (البيذق)

  • المعجب في تلخيص أخبار المغرب - عبد الواحد المراكشي

  • كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر (تاريخ ابن خلدون) - عبد الرحمن بن خلدون

  • روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس - ابن أبي زرع الفاسي

  • نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان - ابن القطان المراكشي

  • الكامل في التاريخ - ابن الأثير الجزري

  • الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية - مؤلف مجهول

  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - ابن خلكان

  • دراسات معاصرة في التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية - أمبروسيو هويسي ميرندا

  • وثائق ومخطوطات منشورة عبر مراكز الأبحاث التاريخية (مركز سلف، بوابة تاريخ الموحدين، الموسوعة الرقمية الجزيرة)

إرسال تعليق

أحدث أقدم