السلطان أحمد بن إسماعيل الذهبي (1677 – 1729م)

السلطان أحمد الذهبي بن إسماعيل

تمثل وفاة السلطان المولى إسماعيل في عام 1139 هـ (1727م) نقطة تحول حاسمة وعنيفة في تاريخ المغرب الحديث، حيث انتقلت الدولة من مركزية السلطة المطلقة التي ميزت عهدا طويلا دام أكثر من خمسة عقود، إلى آتون فوضى سياسية وعسكرية عارمة عرفت في الأدبيات التاريخية بـ "أزمة الثلاثين سنة"، في هذا السياق المتلاطم، برزت شخصية السلطان أحمد بن إسماعيل، الملقب بـ "الذهبي"، كأول الحكام الذين واجهوا تركة والده الثقيلة، محاولا إدارة توازنات القوى الهشة بين مؤسسة عسكرية متغولة وحواضر مدنية متمردة، إن دراسة سيرة أحمد الذهبي لا تنفصل عن فهم الآليات التي حكمت الدولة العلوية في طورها التأسيسي الثاني، حيث تحولت القوة العسكرية "عبيد البخاري" من درع للعرش إلى أداة لخلع السلاطين وتنصيبهم وفق أهوائها ومصالحها المادية.  
 

لقد كان عهد أحمد الذهبي، على قصره واضطرابه، مكثفا بالأحداث الدراماتيكية التي رسمت ملامح الصراع حول الشرعية والوراثة، فمن خلال تتبع المصادر التاريخية الكبرى مثل "الاستقصا" لأحمد بن خالد الناصري، و"البستان الظريف" لأبي القاسم الزياني، و"إتحاف أعلام الناس" لعبد الرحمن بن زيدان، يتبين أن عهد هذا السلطان كان تجسيدا لأزمة الانتقال من سلطة "الكاريزما" الفردية التي تمتع بها والده إلى سلطة "المؤسسة" العسكرية التي فقدت بوصلتها السياسية، وفي هذا التقرير، سيتم تفكيك سيرة السلطان أحمد الذهبي عبر سياقاتها المختلفة، بدءا من نشأته في الحاضرة الإسماعيلية، وصولا إلى نهايته المأساوية التي تزامنت مع ذروة الصراع الأخوي.

الفصل الأول: الجذور والنشأة في الحاضرة الإسماعيلية

النسب والتكوين في بيت الخلافة

ولد المولى أحمد بن إسماعيل في مدينة مكناس عام 1088 هـ (1677م)، وهو ينتمي إلى السلالة العلوية الشريفة التي يعود نسبها إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، نشأ أحمد في كنف والده السلطان القوي المولى إسماعيل، الذي اتخذ من مكناس عاصمة إمبراطورية تعكس هيبة الملك العلوي، وبنى فيها من القصور والقصبات ما جعلها تلقب بـ "فرساي المغرب"، كانت نشأته في هذه البيئة السلطانية محاطة برمزية القوة والشرعية الدينية، حيث كان والده يحرص على إعداد أبنائه لتولي مهام الحكم والقيادة العسكرية في مختلف أرجاء الإيالة الشريفة. 

تلقى المولى أحمد تعليمه الأول في مجالس العلماء والفقهاء التي كانت تزدحم بها مكناس وفاس، حيث نهل من العلوم الشرعية واللغة والأدب، وهو ما يفسر لاحقا اهتمامه ببعض المجالس العلمية رغم انشغالاته العسكرية، وقد عاش أحمد فترة شبابه في أوج قوة الدولة العلوية، حيث كانت السلطة المركزية قادرة على إخضاع القبائل وتحرير الثغور من الاحتلال الأجنبي بفضل جيش نظامي لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة. 

التدرج في مناصب الدولة خلال العهد الإسماعيلي

قبل اعتلائه العرش، مارس المولى أحمد مهاما إدارية وعسكرية بتكليف من والده، فقد عين واليا على مناطق هامة، منها منطقة سجلماسة (تافيلالت)، وهي الموطن الأصلي للأسرة العلوية، وبنى له والده المولى إسماعيل قصبة خاصة هناك تعرف بـ "قصبة المولى أحمد الذهبي" لتكون مقرا لسكنه وإدارته لشؤون تلك المنطقة الاستراتيجية التي تربط المغرب ببلاد السودان وعمق الصحراء. 

كانت فترة ولايته في سجلماسة اختبارا لقدراته في تدبير شؤون القبائل وجمع الضرائب وتأمين طرق القوافل، وهي المهام التي كانت تشكل العمود الفقري للاستقرار المخزني، غير أن هذه التجارب لم تكن كافية لإكسابه الحزم والمهابة التي تمتع بها والده، حيث تشير المصادر إلى أنه كان يميل في كثير من الأحيان إلى استشارة حاشيته من العبيد المقربين، مما بدأ يشكل ملامح شخصيته السياسية كحاكم يتأثر بمحيطه العسكري أكثر من تأثيره فيه.

الفصل الثاني: السياسة والمال.. لغز لقب "الذهبي"

اعتلاء العرش والبيعة الأولى (1139 هـ)

بمجرد وفاة المولى إسماعيل في عام 1139 هـ، سارعت المؤسسة العسكرية المتمثلة في جيش "عبيد البخاري" إلى التدخل المباشر في عملية اختيار الخليفة، فقد اجتمع قادة هذا الجيش في مكناس واختاروا المولى أحمد بن إسماعيل ليكون سلطانا، وذلك لما عرفوه عنه من سخاء وميل إلى العطاء، تمت مبايعته في مكناس أولا، ثم أرسلت الرسل إلى الحواضر الكبرى مثل فاس ومراكش لطلب البيعة العامة، وهو ما تم في أجواء شابتها الريبة من مستقبل البلاد بعد غياب "السلطان المهاب".

يلاحظ في المصادر التاريخية أن بيعة أحمد الذهبي كانت "بيعة عسكرية" في جوهرها، حيث كان الجند هم أصحاب القرار الفعلي في تنصيبه، مما جعل سلطته منذ البداية مرتبطة بمدى قدرته على إرضاء مطالبهم المادية المتزايدة، وقد عبر الناصري في "الاستقصا" عن هذا الوضع بوصفه أحمد بأنه كان في الصورة الظاهرية فقط، بينما كان الحكم الفعلي للعبيد.

دلالات اللقب والسياسة المالية الإسرافية

اشتهر السلطان أحمد بلقب "الذهبي"، وهو لقب يثير في الوهلة الأولى التباسا مع السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، غير أن سبب تسمية العلوي بهذا اللقب يختلف جذريا؛ فبينما لقب السعدي بالذهبي لفتحه مناجم الذهب في السودان، لقب أحمد بن إسماعيل بهذا الاسم لأنه "بسط يده بالعطاء للناس" وفتح خزائن والده التي امتلأت بالذهب والفضة عبر عقود من الجباية المنظمة وفداء الأسرى.

تشير الروايات إلى أن أحمد، فور توليه الحكم، زاد في رواتب جند البخاري زيادة كبيرة بلغت "خمسين ألفا"، وبدأ بتوزيع الأموال على رؤساء الجيش والأعيان دون حساب، هذا السلوك المالي كان يهدف في جوهره إلى شراء الولاءات وتثبيت دعائم حكمه أمام إخوته الطامعين في السلطة. 

إن هذه السياسة المالية "الذهبية" كان لها أثر كارثي على المدى البعيد؛ فقد أدت إلى استنزاف المدخرات الاستراتيجية التي جمعها المولى إسماعيل، وعودت الجيش على الابتزاز المالي الدائم، حيث أصبح الولاء للسلطان مرتبطا بمدى امتداد يده بالعطاء، وبمجرد أن توقف هذا العطاء، بدأت الانقلابات والفتن.

الفصل الثالث: المؤسسة العسكرية و"عبيد البخاري"

نشأة الجيش وبنيته في العهد الإسماعيلي

لفهم عهد أحمد الذهبي، لا بد من العودة إلى أصل القوة التي نصبته، وهي جيش "عبيد البخاري" أو "البواخر"، أسس المولى إسماعيل هذا الجيش كقوة نظامية تدين بالولاء المطلق لشخصه، مجمعا العبيد من مختلف أرجاء المغرب، وأقسموا على "صحيح البخاري" لضمان طاعتهم للشرع وللسلطان، كان هذا الجيش يمثل قلب النظام المخزني، وقد بلغ عدده في أوج قوة المولى إسماعيل مائة وخمسين ألف مقاتل.

يصف الناصري في "الاستقصا" بدقة مراحل تدريب هذا الجيش، حيث كان الذكور يفرزون منذ سن العاشرة لتعلم الحرف، ثم ينتقلون في الحادية عشرة لركوب البغال، وفي الرابعة عشرة يتعلمون ركوب الخيل دون سروج، وصولا إلى سن السادسة عشرة حيث يصبحون جنودا نظاميين يكتبون في الديوان ويزوجون ويمنحون الرواتب والسكني في القصبات.

تحول الجيش إلى "صانع للملوك" في عهد أحمد

بعد وفاة المؤسس، تحول هذا الجيش من أداة للأمن وتثبيت سلطة الدولة إلى مؤسسة سياسية تتدخل في أدق شؤون الحكم، كان أحمد الذهبي يدرك أن هؤلاء الجنود هم من يملكون مفاتيح القصر في مكناس، ولذلك كان يستشيرهم في أغلب شؤونه، بل وأصبحت مشورتهم ملزمة له في كثير من الأحيان.

أدى هذا الضعف السلطاني أمام المؤسسة العسكرية إلى تسلط الجند على الرعية، فانتشرت المظالم في مكناس وفاس، وبدأ الجيش بممارسة القتل والنهب بحق المعارضين أو حتى الذين يشتبه في ولائهم لأمراء آخرين، هذا التحول البنيوي هو ما يفسر تسمية تلك الفترة بأزمة "جيش العبيد"؛ حيث أصبحت مصالح الجيش المادية تتقدم على مصلحة الدولة العليا، وصار السلطان مجرد أداة لتوفير الرواتب والعطايا.

الفصل الرابع: الانتقام المخزني وتصفية النخب الإدارية

سياسة "التتريك" والمصادرات المالية

دشن السلطان أحمد الذهبي عهده بما يعرف في التاريخ المغربي بـ "الانتقام المخزني" أو سياسة "التتريك"، وتتمثل هذه السياسة في القبض على كبار المسؤولين والعمال الذين خدموا في العهد السابق وتجريدهم من أموالهم وثرواتهم بحجة أنها أموال عامة اختلسوها، أو ببساطة لحاجة السلطان لتمويل عطاءاته للجيش.

بمجرد توليه، قبض أحمد على خدام والده وعماله، وبدأ بسلسلة من الإعدامات والمصادرات التي صدمت النخبة الإدارية في المغرب، لم تكن هذه التصفيات مبنية على اتهامات قضائية واضحة، بل كانت وسيلة سريعة لملء الخزينة واسترضاء قادة البخاريين الذين كانوا يطالبون بمكافآت بيعتهم.

الضحايا الرئيسيون من أركان الدولة

يروي المؤرخون، ومنهم عبد الرحيم الربيعي استنادا إلى الوثائق التاريخية، أن أحمد الذهبي أظهر قسوة غير متوقعة تجاه رجال والده، ومن أبرز هؤلاء الضحايا:

  • القائد عبد الحق الفاسي: كان من كبار عمال المولى إسماعيل، تم القبض عليه وقتله مع جماعة من العمال المقربين منه.

  • الوزير أبو حفص عمر بن قاسم رتبي: قتله السلطان خنقا في شهر ربيع الثاني عام 1140 هـ، وأخذ جميع أمواله وممتلكاته.

  • قاضي القضاة أبو عبد الله بن العياشي: تعرض للقتل والصلب في مكناس، وهو مشهد كان يهدف لبث الرعب في قلوب المترددين في الخضوع لسلطة أحمد.

أدت هذه الإجراءات العنيفة إلى انحلال نظام الملك؛ فقد خسر السلطان الكفاءات الإدارية التي كانت تتقن فن الجباية والتدبير، وأصبح العمال الجدد يخشون من المصير نفسه، فبالغوا في نهب الرعية لتعويض ما قد يصادر منهم لاحقا، مما زاد من نقمة الشعب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

الفصل الخامس: الصراع على الشرعية.. أحمد وعبد الملك

الانقسام السياسي بين مكناس وفاس

بينما كان أحمد الذهبي يحكم من مكناس معتمدا على قوة العبيد، ظهر أخوه المولى عبد الملك بن إسماعيل كبديل سياسي يحظى بدعم القوى التقليدية في فاس والمناطق الجبلية، كان عبد الملك يمثل تيار "الإصلاح" الذي ينادي بالحد من نفوذ الجيش والعودة إلى الشورى والعدل، وهو ما جعله يحصل على تعاطف شيوخ التصوف وأرباب الزوايا.

تميزت العلاقة بين الأخوين بالعداء الشديد؛ حيث رأى كل منهما في الآخر تهديدا وجوديا، وقد تعمق هذا الشرخ عندما قرر أهل فاس نقض بيعة أحمد الذهبي في عام 1140 هـ وبايعوا عبد الملك، معتبرين إياه السلطان الشرعي الذي سينقذهم من مظالم العبيد.

خلع أحمد والبيعة الأولى لعبد الملك

في ظل التدهور الأمني في مكناس وتصاعد نقمة أهل فاس، نجح المتمردون في القبض على أحمد الذهبي في مكناس، وبدلا من قتله، فضلوا نفيه إلى سجلماسة، وبايعوا المولى عبد الملك مكانه، غير أن حكم عبد الملك في مكناس لم يدم طويلا؛ فقد اصطدمت سياسته التقشفية ورغبته في تطهير الدولة من "افتيات العبيد" بمصالح العسكر.

أراد عبد الملك تقليص رواتب البخاريين وتجريدهم مما اغتصبوه من أموال، بل وعزم على إنشاء جيش جديد بدلا منهم، هذا الموقف دفع العبيد إلى الانقلاب عليه ومطاردته حتى فر إلى فاس، ثم قاموا بإعادة أحمد الذهبي من منفاه في سجلماسة وجددوا له البيعة للمرة الثانية في عام 1728م.

حصار فاس الأخير ونهاية الصراع (1141 هـ)

بعد عودة أحمد للعرش، كان عليه استعادة فاس التي تحصن فيها عبد الملك، جهز أحمد جيشا ضخما وحاصر فاس لمدة خمسة أشهر، كان الحصار مريرا، حيث عانى أهل فاس من الجوع والقصف، وبذل شيوخ الزاوية الوزانية، مثل المولى الطيب الوزاني، جهودا كبيرة للدفاع عن عبد الملك، وشاركوا في العمليات العسكرية التي انتهت بهزيمة قبائل الغرب الموالية لهم عند وادي إيناون. 

انتهى الحصار بدخول جيش أحمد الذهبي إلى فاس وقبض على المولى عبد الملك، ونقل أسيرا إلى مكناس، حيث وضع تحت رقابة مشددة، في هذه الأثناء، كان أحمد الذهبي قد أصيب بمرض السل (الذي كان يسمى آنذاك بمرض الموت)، وأحس بدنو أجله.  

تذكر الروايات التاريخية، ومنها رواية الناصري، مشهدا دراميا في نهاية حياة السلطانين، فبينما كان أحمد يعاني من سكرات الموت، ورأى أن العبيد قد يبايعون أخاه عبد الملك من بعده، أمر بخنقه، ونفذ الأمر في عبد الملك، ولم تمض سوى ثلاثة أيام حتى توفي السلطان أحمد الذهبي نفسه في 5 مارس 1729م (1141 هـ). 

الفصل السادس: الوفاة والآثار المعمارية والضريح

الوفاة في مكناس

توفي السلطان أحمد الذهبي في عاصمته مكناس، وهي المدينة التي شهدت صعوده وسقوطه ثم عودته، كان موته بمرض السل خاتمة لعهد تميز بالاضطراب الصحي والسياسي على حد سواء، وبموت السلطانين أحمد وعبد الملك في وقت متقارب، فتح الباب أمام أخيهم المولى عبد الله بن إسماعيل لتولي الحكم، ليبدأ فصلا جديدا وأكثر تعقيدا من أزمة الثلاثين سنة.

المآثر العمرانية وضريح المولى إسماعيل

رغم قصر عهده وكثرة حروبه، ترك أحمد الذهبي بصمة معمارية هامة في مكناس، فهو من ينسب إليه بناء الضريح الحالي لوالده المولى إسماعيل، وهو المجمع الجنائزي الذي يعتبر اليوم من أجمل المعالم الإسلامية في المغرب.

يضم الضريح رفات ثلاثة ملوك هم: المولى إسماعيل، وابنه باني الضريح أحمد الذهبي، والسلطان اللاحق المولى عبد الرحمن بن هشام، بالإضافة إلى قبر السيدة خناثة بنت بكار زوجة المولى إسماعيل، يتميز الضريح بهندسة عربية إسلامية دقيقة، ويضم فناء واسعا بأعمدة رخامية استخرجت من موقع وليلي الأثري، ونوافير متقنة تعكس خلاصة الصناعات اليدوية المغربية من نقش على الخشب والجبص وزليج ملون.

إرسال تعليق

أحدث أقدم