السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل (1694 - 1757م)

المولى عبدالله بن اسماعيل

تاريخ المغرب

تمثل سيرة السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل بن مولاي علي الشريف العلوي أحد أكثر الفصول تعقيدا وإثارة في تاريخ المغرب الحديث، حيث اقترن اسمه بفترة "الأزمة" أو "الفوضى" التي تلت وفاة والده السلطان القوي المولى إسماعيل، إن فهم هذه الشخصية يتطلب الغوص في بنية الدولة المغربية خلال القرن الثامن عشر، وهي الفترة التي شهدت صراعا محموما على السلطة بين أبناء المولى إسماعيل، وتدخلات حاسمة من المؤسسة العسكرية المتمثلة في جيش عبيد البخاري وقبائل الودايا، ولد المولى عبد الله في مدينة مكناس عام 1694م، في ذروة مجد والده الذي استطاع توحيد المغرب وبناء جيش نظامي ضخم واسترجاع الثغور المحتلة، كانت نشأته في القصور الإسماعيلية محاطة برعاية خاصة، لاسيما من والدته السيدة الحكيمة لالا خناثة بنت بكار، التي لعبت دورا محوريا في توجيهه السياسي والشرعي، مما جعله واحدا من أبرز المرشحين للخلافة رغم كثرة إخوته.


الجذور التاريخية والنسب الشريف

ينتمي المولى عبد الله إلى الأشراف العلويين، وهم من سلالة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفاطمة الزهراء، يرجع قدوم جدهم الأول، الحسن بن القاسم (المعروف بالحسن الداخل)، من الحجاز، وتحديدا من منطقة ينبع النخل، حيث استقر في سجلماسة (تافيلالت) خلال عهد الدولة المرينية في القرن السابع الهجري، تذكر المصادر التاريخية أن أهل سجلماسة قصدوا الحجاز لطلب رجل من آل البيت يتبركون به ويصلح الله به أحوالهم وثمارهم، فكان الحسن بن القاسم هو الذي استجاب لطلبهم.

استمرت هذه السلالة في سجلماسة حتى بزوغ فجر الدولة العلوية مع المولى علي الشريف، ثم ابنه المولى محمد، والمولى رشيد الذي وحد البلاد، وصولا إلى المولى إسماعيل الذي وطد أركان الدولة لمدة 55 عاما، وفي هذا السياق، يعتبر المولى عبد الله بن إسماعيل بن الشريف بن علي بن محمد بن علي بن يوسف بن علي بن الحسن بن محمد بن الحسن الداخل، وصولا إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، هذا النسب الشريف لم يكن مجرد تسلسل عائلي، بل كان الركيزة الأساسية للشرعية السياسية والدينية التي استند إليها المولى عبد الله في نضاله الطويل لاستعادة العرش والحفاظ على وحدة المملكة في وجه التمردات العسكرية والقبيلة.

التكوين والنشأة في ظل السلطان المولى إسماعيل

نشأ المولى عبد الله في العاصمة الإسماعيلية مكناس، التي حولها والده من بلدة صغيرة إلى إمبراطورية معمارية وعسكرية، كانت القصور الإسماعيلية بمثابة مدارس عليا لتدريب الأمراء على شؤون الحكم والإدارة والفروسية، تلقى المولى عبد الله تعليما شرعيا رصينا، حيث اهتم بحفظ القرآن الكريم ودراسة الحديث واللغة العربية، وهو ما ظهر جليا في ميله اللاحق للعلماء ودعمه للمجالس العلمية.

لعبت والدته، لالا خناثة بنت بكار، وهي من قبيلة المغافرة الصحراوية، دورا حاسما في تكوينه، لم تكن لالا خناثة مجرد زوجة للسلطان، بل كانت عالمة وفقيهة ومستشارة سياسية، حيث تولت تربية ابنها على قيم الحزم والتدين، تشير الروايات إلى أنها كانت تشرف على تعليم أبنائها وتوجههم نحو استيعاب أصول الفقه والسياسة، مما منح المولى عبد الله ميزة تنافسية وسط مئات الإخوة الذين كانوا يتطلعون للعرش.

خلال عهد والده، شارك المولى عبد الله في بعض المهام الإدارية والعسكرية، مما أكسبه خبرة ميدانية في التعامل مع القبائل والتعرف على كواليس الجيش، كان المولى إسماعيل قد قسم المغرب إلى مقاطعات عسكرية وأوكل لبعض أبنائه مهام خليفة السلطان في الأقاليم، وهو نظام استهدف ضمان ولاء القبائل ومراقبتها من خلال القلاع والقصبات، هذه التجربة المبكرة جعلت المولى عبد الله يدرك خطورة النفوذ العسكري المتزايد لجيش عبيد البخاري، وهو الجيش الذي أقسم على صحيح البخاري ليكون طوع بنان السلطان، لكنه تحول بعد وفاة المؤسس إلى قوة متمردة تتحكم في مصير السلاطين.

أزمة الخلافة وصراع الإخوة (1727-1729)

عندما توفي المولى إسماعيل في 22 مارس 1727م ، ترك خلفه تركة ثقيلة ودولة قوية البنيان لكنها هشة على مستوى نظام الوراثة، لم يعين المولى إسماعيل ولياً للعهد بشكل قطعي، مما فتح الباب لصراع مرير بين أبنائه. في البداية، بويع ابنه المولى أحمد (المعلق بالذهبي) في مكناس بدعم من جيش عبيد البخاري، تميزت فترة المولى أحمد بالاضطراب المالي وكثرة العطايا للجيش لضمان ولائهم، ومن هنا جاء لقبه "الذهبي".

لم يستمر المولى أحمد طويلا، حيث ثارت ضده بعض الأقاليم والقبائل، فقام جيش عبيد البخاري بعزله ومبايعة أخيه المولى عبد الملك بن إسماعيل، حاول المولى عبد الملك نهج سياسة تقشفية وإصلاحية، وسعى لتقليص نفوذ العبيد وإعادة هيكلة الجيش، مما أثار حفيظة العسكريين الذين استغلوا اختلافه مع المحافظين في القصر ليقوموا بخلعه وإعادة المولى أحمد الذهبي مجددا، في هذه الأجواء المشحونة، توفي المولى أحمد الذهبي في مارس 1729م، وهنا برز اسم المولى عبد الله كخيار للحل، حيث بويع لأول مرة سلطانا على المغرب.

مقارنة بين السلاطين الأوائل بعد المولى إسماعيل

السلطانفترة الحكم الأولىالداعم الأساسيسبب العزل أو الوفاة
المولى أحمد الذهبي1727 - 1728عبيد البخاريالعزل بسبب الاضطرابات
المولى عبد الملك1728قبائل الغرب والعلماءالعزل لتقليصه نفوذ الجيش
المولى أحمد الذهبي1728 - 1729عبيد البخاريالوفاة الطبيعية
المولى عبد الله1729 - 1734إجماع أعيان مكناس وفاسالعزل بسبب تمرده على الجيش

الفترات الست لحكم المولى عبد الله: دراسة في الديناميكية السياسية

تعتبر ظاهرة اعتلاء المولى عبد الله للعرش ست مرات حالة استثنائية في التاريخ المغربي والإسلامي، لم يكن هذا التكرار نتيجة لضعف شخصية السلطان، بل كان تعبيرا عن صموده في وجه "دكتاتورية العسكر" المتمثلة في جيش عبيد البخاري، وإصراره على ممارسة سلطته الكاملة غير منقوصة.

الولاية الأولى (1729-1734): محاولة التثبيت والاصطدام بالعسكر

بدأ المولى عبد الله حكمه بمحاولة استعادة هيبة المخزن، واجه تحديات كبيرة في جمع الجباية وتهدئة القبائل المتمردة في الأطلس وسوس، في هذه الفترة، بدأ يظهر توتره مع قادة جيش البخاري الذين كانوا يتدخلون في التعيينات الإدارية والمالية، عندما حاول السلطان ممارسة حزمه، انقلب عليه الجيش، مما اضطره للجوء إلى قبائل آيت أومالو في الأطلس المتوسط، وهي القبائل التي ظلت وفية له طوال فترات محنه.

الولاية الثانية (1736): العودة القصيرة

بعد عزل أخيه المولى علي زين العابدين (الأعرج)، استدعى الجيش المولى عبد الله مجددا للعرش، لكن هذه الولاية لم تدم سوى أشهر قليلة، حيث اكتشف السلطان أن الجيش لا يزال يطمع في التحكم بمقدرات البلاد، فآثر الانسحاب مجددا لتجنب الصدام الدموي المباشر في العاصمة.

الولاية الثالثة (1740-1741): الصراع مع المولى المستضيء

شهدت هذه الفترة بداية الصراع الطويل مع أخيه المولى المستضيء، الذي كان يمثل الجناح الموالي لجيش البخاري، اعتمد المولى عبد الله في هذه المرحلة بشكل أكبر على دعم أهل فاس وقبائل الودايا، مما جعل الصراع يتخذ طابعا جغرافيا بين مكناس (مركز العبيد) وفاس (مركز الولاء للسلطان).

الولاية الرابعة (1741-1742): تبادل الأدوار

استمرت حالة عدم الاستقرار، حيث كان السلطان يسيطر على مناطق ويفقد أخرى، في هذه المرحلة، كانت البيعة تسحب وتعاد بناء على موازين القوى في الميدان، كان المولى عبد الله يتحرك بمرونة بين فاس والأطلس، مستخدما تكتيكات الحرب النفسية وحصار المدن المتمردة.

الولاية الخامسة (1743-1747): محاولات الاستقرار الاقتصادي

حاول السلطان في هذه الفترة معالجة التدهور الاقتصادي الذي سببه الغلاء وتوقف طرق التجارة واجه منافسة شرسة من إخوته، لكنه بدأ يثبت أقدامه من خلال تعيين ولاته المخلصين في الموانئ والثغور.

الولاية السادسة والأخيرة (1748-1757): مرحلة النضج والتمهيد لمحمد الثالث

هي أطول فترات حكمه وأكثرها استقرارا، في هذه المرحلة، استطاع المولى عبد الله كسر شوكة جيش البخاري جزئيا، وبدأ يشرك ابنه سيدي محمد بن عبد الله في تدبير شؤون الدولة، مما ساهم في انتقال سلس للسلطة لاحقا.

المؤسسة العسكرية: صراع البخاريين والودايا

كان الجيش في عهد المولى عبد الله هو المحرك الأساسي للأحداث، أسس المولى إسماعيل "جيش عبيد البخاري" ليكون قوة نظامية تدين بالولاء المطلق للعرش، وبلغ عددهم في أوج قوتهم نحو 150 ألف جندي، تم توزيعهم في قصبات بمشرع الرمل وقرب مكناس وسلا، وكانت مهمتهم ضمان طاعة القبائل وجمع الضرائب.

بعد وفاة المولى إسماعيل، استبد قادة هذا الجيش وأصبحوا "صناع ملوك"، حيث كانوا يرفعون السلطان الذي يعدهم بمزيد من العطايا ويخلعون من يحاول تقليص رواتبهم، في المقابل، اعتمد المولى عبد الله على "جيش الودايا"، وهم قبائل من عرب المعقل استقدمهم المولى إسماعيل ليكونوا درعا سياسيا واجتماعيا لنظام الدولة، تشكل هذا الجيش من مقاتلين محترفين من قبائل بدوية، وكان ولاؤهم غالبا للمولى عبد الله ووالدته لالا خناثة التي تنتمي لجذور قريبة منهم.

هيكلية القوى العسكرية في عهد المولى عبد الله

الفرقة العسكريةالأصل والمنشأالدور والولاءالمصير في عهد المولى عبد الله
عبيد البخاريعبيد وحراطين تم تجميعهمقوة نظامية، ولاء متقلب للمال

مصدر الفتن والخلع المتكرر

جيش الوداياعرب المعقل (جنوب المغرب)حماية العاصمة، ولاء للسلطان

الداعم الرئيسي للمولى عبد الله

قبائل الكيشقبائل معفاة من الضرائب مقابل الخدمةحماية الثغور والمنافذ

شاركت في الصراعات المحلية

المتطوعون (أهل الريف)سكان الجبال والشمالالجهاد ضد الاحتلال الأجنبي

قادوا تحرير الثغور تحت إمرة السلطان

العلاقة مع العلماء والحركة العلمية

رغم الانشغال بالحروب الداخلية، لم يغفل المولى عبد الله عن الجانب العلمي والديني، كان المغرب في تلك الفترة يعيش نهضة فكرية قادتها جامعة القرويين في فاس، حظي العلماء بتقدير خاص من السلطان، الذي كان يرى فيهم صمام أمان للمجتمع ومصدرا للشرعية الدينية.

برزت في عهده أسماء لامعة في الفقه والحديث والتاريخ، كان السلطان يحضر المجالس العلمية، ويستشير العلماء في المسائل المصيرية، مثل مشروعية محاربة المتمردين، تذكر المصادر أن المولى عبد الله كان يقطع العلماء إقطاعات قيمة ويصدر لهم ظهائر التوقير والاحترام، ومن أبرز العلماء الذين عاصروه محمد بن الطيب القادري، صاحب كتاب "نشر المثاني"، الذي أرخ لتلك الحقبة بدقة متناهية.

كما شهدت هذه الفترة اهتماما خاصا بكتب الحديث والسيرة النبوية، كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله (ابن المولى عبد الله) قد تشبع بهذه الروح العلمية في كنف والده، حيث ألف لاحقا كتاب "الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية"، إن هذا الاهتمام بالحديث لم يكن مجرد ترف فكري، بل كان جزءا من سياسة الدولة لإحياء السنة ومحاربة الانحرافات والبدع التي قد تظهر في فترات الاضطراب.

المنجزات المعمارية: فاس كعاصمة روحية وعسكرية

ارتبط المعمار في عهد المولى عبد الله بالحاجة الأمنية والروحية، ورغم أنه لم يبن مدينة جديدة كوالده، إلا أنه ترك بصمات واضحة، خاصة في مدينة فاس التي اتخذها عاصمة لفترات طويلة.

مسجد ومجمع مولاي عبد الله بفاس الجديد

يعد "مسجد مولاي عبد الله" بفاس الجديد أهم أثر معماري خلده هذا السلطان، بني المسجد في القرن الثامن عشر الميلادي ليكون الجامع الأعظم في "المدينة البيضاء"، تميز المسجد بتصميم دقيق يضم قاعة صلاة واسعة بلاطاتها متعامدة مع جدار القبلة، وصومعة مربعة الشكل يصل علوها إلى أكثر من 22 مترا، مزينة بزخارف متناسقة من الزليج والجص، المسجد كان مرتبطا بالقصر الملكي المريني القديم بواسطة ممر مباشر، مما يعكس الرغبة في دمج السلطة السياسية بالنشاط الروحي والعلمي، في عام 1981، أدرج المسجد ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي كجزء من مدينة فاس.

قصبة دار الدبيبغ والتحصينات

بنى السلطان "قصبة دار الدبيبغ" لتكون مقرا لإقامته وحامية عسكرية تحمي مداخل مدينة فاس، كانت هذه القصبة نموذجا للعمارة الفريدة التي تجمع بين الوظيفة الدفاعية والجمالية السلطانية، كما استمر في صيانة القصبات الإسماعيلية التي بناها والده في تافيلالت والأطلس لضمان مراقبة القبائل المتمردة.

السياسة الخارجية والدفاع عن الثغور

لم تمنع الاضطرابات الداخلية المولى عبد الله من مواصلة سياسة "الجهاد" التي بدأها والده لاسترجاع الثغور المحتلة، ركزت جهود الدولة على محاصرة المدن الساحلية التي كانت تحت الاحتلال الإسباني والبرتغالي والإنجليزي، استمر حصار سبتة، الذي بدأ في عهد المولى إسماعيل ليكون أطول حصار في التاريخ، خلال عهد المولى عبد الله، رغم أن التحصينات القوية حالت دون استرجاعها بالكامل.

في الجبهة الشرقية، استمر التوتر مع الجزائر التابعة للدولة العثمانية، وقعت عدة معارك على الحدود، حيث حاولت القوات المغربية استعادة مناطق في تلمسان ووادي الشلف، لكن التفوق العسكري العثماني في المدفعية والانكشارية أدى في كثير من الأحيان إلى تراجع الجيوش المغربية، ومع ذلك، استطاع المولى عبد الله الحفاظ على استقلال المغرب وسيادته الكاملة، رافضا التبعية للخلافة العثمانية، وهو ما عزز من مكانته كحاكم مستقل في غرب العالم الإسلامي.

الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية

شهد عهد المولى عبد الله سلسلة من المحن الطبيعية التي زادت من معاناة السكان، ففي عام 1755م، ضرب "زلزال لشبونة" العنيف البرتغال والمغرب، وتسبب في دمار هائل في المدن الساحلية مثل سلا والعرائش، ووصلت آثاره إلى فاس ومكناس، تذكر المصادر أن الزلزال أودى بحياة الآلاف، من بينهم نحو 5000 من جيش عبيد البخاري، مما شكل ضربة قوية لبنيتهم العسكرية.

اقتصاديا، أدت الحروب المتواصلة إلى غلاء فاحش في الأسعار وانتشار المجاعات في بعض السنين، تلاعب التجار بالأسعار، مما استوجب تدخل السلطان لفرض رقابة صارمة، لكن استنزاف خزينة الدولة في رواتب الجيش والحروب الداخلية جعل الوضع الاقتصادي هشا، دفع هذا الوضع العديد من أثرياء وعلماء فاس إلى الهجرة نحو تونس ومصر والشام، مما أدى إلى تراجع مؤقت في النشاط الاقتصادي والحضري للمدينة.

الشخصية والخصال السلطانية

يوصف المولى عبد الله في كتب التراجم بأنه كان رجلا حازما، شجاعا، وذا بصيرة سياسية نافذة، رغم "القسوة" التي قد تنسب لبعض قراراته العسكرية، إلا أنها كانت نابعة من ضرورة الحفاظ على الدولة في زمن الفوضى، كان يتمتع بمهابة كبيرة، وكان رعاياه ينظرون إليه كرمز للشرعية العلوية في وجه تمرد العبيد.

تذكر المصادر ميله للزهد في أواخر حياته، واهتمامه بالصوفية والعلماء، كان يقضي أوقاتا طويلة في مدارسة الحديث النبوي، وحرص على أن يتربى ابنه محمد الثالث على هذه القيم، مما أنتج لاحقا واحدا من أعظم سلاطين المغرب إصلاحا.

الوفاة والمكانة التاريخية

توفي السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل في 10 نوفمبر 1757م بدار الدبيبغ بضواحي فاس، بعد عمر ناهز الثالثة والستين، قضى معظمها في نضال مستميت لتثبيت العرش، ودفن في مسجده الشهير بـ "فاس الجديد"، ليظل ضريحه معلما تاريخيا يذكر بتلك الحقبة العاصفة.

خلفه ابنه سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث)، الذي استلم دولة موحدة الأركان بفضل جهود والده في تصفية المنافسين وكسر شوكة العبيد المتمردين، إن القيمة التاريخية للمولى عبد الله تكمن في كونه "الجسر" الذي عبرت عليه الدولة العلوية من مرحلة التأسيس الإسماعيلي العنيف إلى مرحلة الاستقرار والإصلاح المحمدي، لولا صمود المولى عبد الله واستعادته للعرش ست مرات، لربما تمزق المغرب إلى إمارات عسكرية متناحرة تحت حكم قادة الجيش.

تسلسل فترات حكم المولى عبد الله والأحداث الكبرى

الفترةالتاريخ (ميلادي)الحدث الأبرزالمصير
الولاية الأولى1729 - 1734استلام الحكم بعد وفاة أحمد الذهبي

العزل واللجوء للأطلس

الولاية الثانية1736محاولة استعادة السلطة من العبيد

العزل القسري

الولاية الثالثة1740 - 1741الصراع مع الأخ المستضيء

العزل لصالح المستضيء

الولاية الرابعة1741 - 1742استعادة فاس والولاء الشعبي

التبادل مع الإخوة

الولاية الخامسة1743 - 1747توطيد السلطة في الشمال والغرب

العزل المؤقت

الولاية السادسة1748 - 1757الاستقرار النهائي والتمهيد لمحمد الثالث

الوفاة الطبيعية

الكتب والمصادر التاريخية المعتمدة في الدراسة

أسماء المصادر والكتب التي استخلصت منها المعلومات الواردة في هذه السيرة الذاتية :

  • الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: للعلامة أحمد بن خالد الناصري. يعتبر المرجع الأم لهذه الفترة، حيث فصل في أخبار الدولة العلوية وتحركات المولى عبد الله بدقة متناهية.

  • نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني: لمؤلفه محمد بن الطيب القادري. كتاب تراجم وتاريخ يركز على الجوانب العلمية والاجتماعية والوقائع اليومية في فاس ومكناس.

  • تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة): لمحمد بن عبد السلام الضعيف الرباطي، معاصر للأحداث، ويقدم روايات ميدانية عن تحركات الجيوش وأحوال الرعية.

  • روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف: لمؤلفه محمد الصغير الإفراني، ركز على عهد الوالد لكنه وضع الأسس لفهم بنية الجيش والمجتمع التي ورثها المولى عبد الله.

  • إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس: للمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان. يوفر معلومات وثائقية عن القصور والظهائر السلطانية.

  • المنزع اللطيف في مفاخر المولى إسماعيل بن الشريف: لابن زيدان أيضا، وهو تحقيق وتحليل للنظام الإسماعيلي وتداعياته.

  • تحفة الحادي المطرب في رفع نسب شرفاء المغرب: لأبي القاسم أحمد الزياني، مصدر هام للأنساب والتحولات السياسية الكبرى.

  • الترجمان المعرب عن دول المشرق والمغرب: للزياني، يتناول التاريخ السياسي والدبلوماسي للمغرب.

  • زهر الأكم في أخبار مدينة مكناسة الزيتون: لعبد الكريم بن موسى الريفي، مصدر محلي للأخبار والوقائع في العاصمة الإسماعيلية.

  • جامع القرويين: للمؤرخ عبد الهادي التازي، يوثق للحركة العلمية وعلاقة السلاطين بجامعة القرويين.

  • الدروس الحسنية وسلسلة المجالس العلمية السلطانية: وثائق من الأرشيف الملكي المغربي توضح طبيعة المجالس العلمية التي كان يحضرها السلاطين العلويون.

إن هذه السيرة الذاتية للمولى عبد الله بن إسماعيل تكشف عن شخصية تاريخية فذة استطاعت الصمود في وجه أعنف العواصف السياسية والعسكرية، لتخرج بالمغرب من نفق الفوضى إلى رحاب الدولة المنظمة والمستقرة، مؤكدة على دور الشرعية الدينية والتحالف مع النخبة العلمية في تثبيت أركان الحكم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم