
الفصل الثاني الأصول والتاريخ: العبودية والاضطهاد
إن كتابة "إسرائيل في المغرب" ليست دقيقة، لأنه إذا كان اليهود المغاربة ينتمون جميعاً إلى نفس الدين من دين إسرائيل، فإن القليل منهم فقط ينتمون إلى عرقها، فهناك بين اليهود المغاربة رجال ينحدرون من أعراق عديدة: بعض الساميين الإسرائيليين، وبعض السكان الأصليين البربر (البرابرة)، ورومان، وصقالبة (سلاف)، ووندال، وقوط، وأيبيريون، إذ لا ينبغي لنا أن ننسى أنه في أواخر عهد الوثنية، كانت حالات اعتناق اليهودية أكثر بكثير من اعتناق المسيحية.
إن تاريخ اليهود المغاربة يمكن اختصاره في هذه الكلمات القليلة: لقد تعرضوا للاضطهاد، وتعرضوا للقمع.
إن الحقيقة الوحيدة المتمثلة في أن اليهود، في شتات شعبهم المغلوب، كانوا مستضعفين في كل مكان، تكفي وحدها لتفسير القمع الذي وقعوا ضحية له في جميع البلدان، باستثناء الصين.
فعلى الضعيف أن يعمل لصالح القوي، وعلى الضعيف أن يخضع لأهواء القوي، وعلى الضعيف أن يعجب بالقوي، ولا يحق للضعيف أن يقول شيئا أو يفعل شيئا قد يعكر في ذهن القوي تلك الفكرة القائلة بأن القوي متفوق في كل شيء.
إنها لقانون قذر ذلك الذي غرسته الديانات التوحيدية في عقول البشر، وقد تجسد التعبير الأكثر رعبا عن هذا القانون على يد اليهودي، الذي ندين له بهذه العبارة الأولى في كتب تعليمنا الديني:
"لقد خلقنا الله لنحبه، ونعبده، ونخدمه".
وعند الاستيلاء على الهيكل الثاني، حيث جرى ذبح جميع رجال القدس الأقوياء القادرين على القتال، فإن ما تبقى من السكان جرى تشتيته، فجاء منهم إلى "قيروان" (سيرين)، وحملت نساء صهيون إلى يهود أفريقيا تلك اللعنة التي صبها الذين ماتوا على المنتصر، وهؤلاء المستوطنون الوادعون، هؤلاء التجار الهادئون، الذين أججتهم أحقاد الموتى، وجدوا أنفسهم مجددا يهود "إله الجنود"، فكانت الثورة، وكانت الحرب من أجل إعادة بناء وطن، وهي حرب طويلة جدا، اقتضت تعبئة كل قوة روما مجددا للانتصار على اليهود نهائيا، وحينها، عوملوا معاملة سيئة.
أما الناجون، من نساء وشيوخ وأطفال، فقد أصبحوا عبيدا للإمبراطورية، وأرسلوا في مجموعات إلى جميع مراكز شمال أفريقيا.
هذا هو الواقع الأساسي الذي يجب تدوينه لفهم وضع اليهود في الدول المغاربية: إن أولى "الغيتوهات" (حارات اليهود)، وأولى "الملاحات"، ما هي إلا أحياء العبيد اليهود التابعين للحكومة الرومانية.
في البداية، لحق بهؤلاء العبيد احتقار شديد، ثم تحول هذا الاحتقار على مر القرون، عندما اكتسب هؤلاء العبيد حرية نسبية مستغلين الثورات والحروب وتغير الحكام؛ وحينما يظل العبد المعتق -سواء لأسباب دينية أو لأسباب عرقية، أو لأسباب سياسية- متميزا ومنفردا داخل الشعب الذي يعيش في وسطه، فإن الاحتقار الذي كان يكنّه له هذا الشعب يتحول إلى كراهية، (كما هو حال السود في أمريكا).
إن العرق والدين والوضع السياسي هي الأمور التي جعلت اليهود متميزين ومنفردين بين الوثنيين من رعايا روما، وبين المسيحيين من رعايا بيزنطة، وبين القوط الغربيين والوندال.
أما بين العرب، فإن الدين والوضع السياسي وحدهما هما ما جعل اليهود متميزين ومنفردين، فاليهود الذين كانوا أحرارا دافعوا عن أنفسهم ضد الغزو العربي، بل وكان لديهم بطلة تمثل وطنيتهم، وهي "الكاهنة".
وعلى العكس من ذلك، فإن اليهود الذين لم يكونوا أحراراً، وبما أنه لم يكن لديهم وطن لعدم امتلاكهم الحرية، فقد استقبلوا الغازي بحفاوة ولهفة.
وبعد أن أصبح العربي سيدا لشمال أفريقيا، رغب في تحويل المغلوبين إلى دينه، فاعتنق المسيحي الإسلام، أما اليهودي، الذي كان من شأن ارتداده عن دينه أن يدخله في صلب الأمة الحاكمة -مثلما أدخل المسيحي المنحدر من عرق مختلف- فإنه لم يعتنق الإسلام رغم ذلك، إنه من نفس عرق الفاتح؛ فإسحاق أخو إسماعيل، ولم يسمح له كبرياؤه بالارتداد عن دينه.
إنني أعلم أن محمدا "صلى الله عليه وسلم" لم يكن يحب اليهود؛ فقد أمعن يهود شبه الجزيرة العربية في السخرية منه في بداياته، كما كان يأخذ عليهم تحريفهم للكتابات المقدسة، "كذب كعادة اليهود" وأخيرا، كان يستاء من عدم اعترافهم به نبيا ثالثا بشر به موسى وعيسى، لكنه كان يأخذ هذا الأمر نفسه على المسيحيين أيضا، ولم يكن يطلب من هؤلاء ولا أولئك سوى الإقرار بنبوته حقا لكي يصبحوا متساوين مع أول من اعتنق دينه تحت لوائه.
وفي شمال أفريقيا، على الرغم من أن المسيحيين كانوا ينحدرون من أعراق مختلفة، فإن اعتناقهم للإسلام دمجهم سريعا جدا بالفاتحين، وإن الاختلافات التي تسترعي انتباهنا اليوم بين البربري ومن يسمى "عربيا" غالبا ما تعود إلى تأثير العمل الذي تفرضه البيئة، أكثر من عودتها إلى العرق الأصلي.
وبما أن اليهودي كان من عرق الفاتح نفسه، فمن الجائز الاعتقاد بأن اعتناقه للإسلام كان سيندمج به بسرعة أكبر بكثير، وبالتالي بشكل أكثر عمقا وحميمية، مقارنة بالمسيحيين أو الوثنيين من السكان الأصليين الذين كانوا من أعراق مختلفة.
ولكن، كما قلت، هو لم يرغب في ذلك البتة، وحينها، سقط من درجة الاحتقار إلى درك الكراهية والقمع.
وكاد أن يستسلم لهذا الوضع، لولا أن قوة مقاومة جديدة ضخت فيه عبر اليهود المطرودين من إسبانيا، هؤلاء لم يكونوا عبيدا قط مثل الأحفاد البائسين لثوار "قيروان" (سيرين)، ونحن نعلم أي بريق لمعوا به، ولن أذكر هنا سوى تفصيل واحد: لقد منع "مجمع إلفيرا" الكنسي عام 320م المؤمنين من جعل الحاخامات يباركون حصادهم، وهذا يعني أن الإسبان الكاثوليك في ذلك العصر كانوا يضعون ثقة في سحر اليهود أكثر مما يضعونه في سحر القساوسة المسيحيين.
وعندما طردت الهمجية الكاثوليكية الحضارة اليهودية من إسبانيا، كان في صفوف "إسرائيل" الهاربة من الأيبيريين الذين اعتنقوا اليهودية عدد يفوق الساميين المنحدرين من عرق أهل القدس، بل وكان بينهم قوط أيضا، وهكذا، جاء تكتل يتمتع بعزيمة أقل إنهاكا ليعزز تكتل يهود شمال أفريقيا، ويسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة عبر قرون من الألم تحت وطأة القمع الإسلامي.
ومع ذلك، فإن الإسلام متسامح؛ ولم يكن لديه يوما ما يمكن مقارنته بـ "مواقد ديوان التفتيش"، إنه يعترف بالأديان الأخرى، إذن، ما السبب؟
لنوضح الأمر: إن اليهودي يلتزم دينيا، منعزلا عن الفاتح بيد أن البنية الدينية لهذا الفاتح هي في الوقت نفسه البنية الاجتماعية، والقانون السياسي، والقانون المدني، وبذلك، يجد اليهودي نفسه خارج المجتمع المسلم؛ أي "خارج القانون"، في العهود الأولى، لاسيما عندما كان الخلفاء يتفاخرون بحماية العلماء اليهود في بلاطهم، لم يكن هذا الوضع "خارج القانون" يعني واقعا أليما للغاية، ولكن ماذا عن بعد ذلك؟!
عندما غرفت الحضارة الإسلامية في "همجية" الطرق الصوفية الجاهلة، أضحى وضع اليهودي المغربي أسوأ من أبشع صور العبودية، فلم يعد هناك أي حق يكفل له، وغدا مزاجه (هواه) السلطان والقائد، ومزاج الشعب، هما ما يسيران مصيره، من الناحية القانونية، ومقابل دفعه لجزية خاصة (ضريبة) والتزامه ببعض الأعراف، كان ينبغي له أن يتمكن من العمل والعيش بسلام في "ملاحاته" المحمية من قِبل جنود الحاكم، أما في واقع الأمر، فلم يكن هناك أمان له قط.
فقد كان خاضعا لأكثر الالتزامات مهانة، ومجبرا على الدفع في كل مرة يطلب منه فيها المال، وإذا ما حدث واحتجّ يوما مناشدا بالعهود المقطوعة، يقال له إن عليه أن يرى نفسه محظوظا لأنهم لا يعذبونه ولا يقتلونه، ذلك أنهم كانوا يعذبونه في بعض الأحيان؛ وكثيرا ما كان القتلة والذابحون يذهبون للتسلية في "الملاحات" (حارات اليهود)، لقد أظهر المضطهدون المسلمون في ممارساتهم عبقرية تضاهي تلك التي امتلكها نظراؤهم المسيحيون، فإذا كان الأمر يتطلب إجبار يهودي على الإفصاح عن آخر مخبأ لأمواله، فقد كانوا يعرفون في المغرب، تماما كما في أوروبا، كيف يبتكرون ألف وسيلة "تسلية" مقنعة، وقد دون بعض المسافرين هذه الوسيلة التي يرويها قدامى المغاربة ولا يخلون في روايتها من فخر: يربط أسد جائع داخل قفص صغير بالسلاسل، بحيث لا تفصله عن الجدران سوى مسافة عشرين سنتيمترا تقريبا، ثم يوضع معه في القفص ذلك البائس الذي يراد جعله يتكلم، ويبدو أن هذه الطريقة لا تقاوم بتاتا؛ فالأشخاص الذين كانوا يلزمون الصمت تحت وطأة أشد العذابات قسوة، كانوا يتكلمون على الفور بمجرد تعريضهم للأسد على هذا النحو، لن أسترسل في هذا؛ فلكم أن تتخيلوا كل الفظائع التي يمكنكم تصورها، إذ المؤكد أن المغاربة قد طبقوها داخل "الملاحات"، وعندما نتأمل ما حدث للتو في الدار البيضاء، يمكننا القول إن هذه الفظائع قد ارتكبت، وإنها سترتكب مجددا.
هل المغاربة إذن همجيون إلى هذا الحد؟ وهل جعلهم "تعصب الإسلام" شرسين لهذه الدرجة؟ تذكروا الأيام الخوالي لمعاداة السامية في فرنسا وفي الجزائر.
فأولئك الناخبون لم يكونوا مغاربة، بل أولئك المصلون في كنائس الجزائر العاصمة، الذين كانوا يوسعون الشيوخ ضربا حتى الموت لمجرد التسلية، وتلك العروس، الشابة الغضة والجميلة، التي غمرها حشد مبتهج بالبصاق أولا، ثم أراد رجمها بعد أن مزقوا ثيابها لم تكن وحوشا مغربية هي التي أرادت تقاسم قميصها، ولم يكن ذلك يحدث في قصبة بعيدة نائية، بل كان "أشخاصاً شرفاء" من أهل الجزائر العاصمة يمتعون أنفسهم بهذا اللذة الرائعة أمام بلدية مدينة كبرى يقال إنها فرنسية، وإن كل الدناءات، وكل الفظائع، وكل الجرائم، وكل ما كان يسلي الجزائريين المعادين للسامية — وهم شبه إجماع الأوروبيين في الجزائر— كل تلك القبائح التي يصدم حدوثها عقولنا، والتي تعود إلى الأمس القريب، أليست كل هذه الأمور تنبع من نفس الهمجية التي نجدها همجية للغاية لدى المغربي؟ بلى، فالإنسان في كل مكان كائن وضيع.
ولكي نواسي أنفسنا، فلنلاحظ أنه لو كان اليهودي في مكان المغربي، لحدثت الفظائع نفسها، مع فارق وحيد وهو أن الجلاد سيصبح هو الضحية.
ودون الحاجة للنبش في قصص "قيروان" (سيرين) القديمة، يمكن للمرء أن يجد في مغرب اليوم أكثر من مغامرة مأساوية يكون فيها اليهودي أثبت أنه عندما يمتلك القوة، فإنه يعرف كيف يسيء استخدامها تماما وبشكل مثالي كما يفعل أي شخص آخر.
وأنا هنا لا أتحدث عن التجاوزات الكلاسيكية، التجاوزات المعروفة، تلك التي جسدها "شيكسبير" في شخصية "شايلوك"، فمن البديهي أنه في كل مرة يستطيع فيها يهودي مغربي —اعذروني على هذا التعبير— أن يضيق الخناق على مدين له، فإنه يلتف عليه ويعتصره كما كان جلادو إسبانيا يفعلون بآلة الخنق (الجاروت)، ولكني أعرف هذه القصة وتلك، ولدي هذه الذكريات الشخصية وتلك، والتي تظهر —في سياق أحداث مادية بحثة— أن قسوة اليهودي المغربي تماثل تماما قسوة الموري (المغربي)، والقبايلي، والعربي في نفس هذا البلد.
ولعلي أنشر يوما ما القصة الروائية لتلك الراقصة الصغيرة البائسة، التي اقتادها يهودي إلى السلطان على أساس أنها "كليو دي ميرود" الحقيقية، ثم جعلها تختفي بعد ذلك حتى لا يفتضح أمر هذه الخديعة، وستكشف هذه القصة عن بعض سمات الشراسة المميزة.
ولكن بما أننا في فصل الأصول، فإنني أفضّل أن أروي لكم أسطورة تفسر بشكل إعجازي هجرة اليهود من إسبانيا نحو الدول المغاربية.
وقد نشرت هذه الأسطورة عام 1833 على يد النقيب "روزيه"، الذي نقلها عن يهودي من الجزائر العاصمة، في عام 1390، جرى اعتقال الحاخام الأول لإشبيلية، "شمعون بن صمية" (شمعون بن صمغ)، الذي كان يمتلك ثروة طائلة، وأدع السجن بأمر من ملك إسبانيا، ومعه ستون من كبار رؤساء العائلات اليهودية وبعد فترة وجيزة من سجن الحاخام، أمر الملك بإعدامه ومعه كل أولئك الذين كانوا محبوسين رفقتَه.
وفي الليلة التي سبقت اليوم المحدد للتنفيذ، وفي الوقت الذي استسلم فيه جميع رفاقه في المحنة لليأس والألم، أخذ "شمعون" قطعة من الفحم ورسم بها سفينة على الجدار، ثم التفت نحو الذين كانوا يبكون، وقال لهم: "كل من يؤمن بالله، ويريد الخروج من هنا في هذه اللحظة بالذات، فليضع إصبعه معي على هذه السفينة"، ففعل الجميع ذلك، وفي الحال تحولت تلك السفينة المرسومة بالفحم إلى سفينة حقيقية، وأخذت تتحرك من تلقاء نفسها، ثم انفتح الجدار ليسمح لها بالمرور، فعبرت إشبيلية وسط ذهول عارم من جميع السكان، دون أن تدس أحدا منهم أو تهدم منزلا، وتوجهت مباشرة نحو البحر وهي تحمل أولئك الذين على متنها.
ثم أبحرت السفينة بعد ذلك، بطريقة لا تقل إعجازا، حتى وصلت إلى الساحل الأفريقي، ويضيف "روزيه" أن هذه الأسطورة بدت له طريفة، فأراد أن يمازح بشأنها يهوديا من الجزائر العاصمة، غير أن هذا الأخير، وكان رجلا متعلما يتقن لغات عدة، لاسيما الفرنسية بشكل ممتاز، أجابه ببرود: "إن هذا بند من بنود إيماننا".
ويبدو النقيب الطيب مندهشا من أن رجلا عاقلا يمكن أن يكون لديه مثل هذا البند في إيمانه، ومع ذلك، ألا توجد قصص أقوى من ذلك بقليل، تنسب إلى حاخام يهودي منشق وموغل في القدم، يدعى "يسوع"، ويعتبرها الكثير من الرجال، ممن يشهد لهم بالرجاحة والعقل، بنودا من بنود إيمانهم أيضا؟
انتهى الفصل الثاني سيتم نشر الجزء الثالث في اقرب وقت.