يمثل عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، المعروف تاريخيا بمحمد الثالث، أحد أكثر الفترات حيوية في تاريخ المغرب الأقصى المعاصر، إذ لم تكن ولايته مجرد استمرار لشرعية البيت العلوي، بل كانت مشروعا نهضويا متكاملا استهدف انتشال البلاد من براثن الفوضى الأمنية والركود الاقتصادي والجمود الفكري، إن دراسة سيرة هذا العاهل المصلح تقتضي الغوص في تفاصيل التحولات الجذرية التي طرأت على بنية الدولة المغربية في القرن الثامن عشر، وهي التحولات التي جعلت منه بحق المؤسس الثاني للدولة العلوية ومهندس انفتاحها على المحيط الأطلسي والمنظومة الدولية الحديثة.
الجذور والنشأة: التكوين العلمي والروحي في مهد الخلافة
ولد سيدي محمد بن عبد الله في مدينة مكناس، العاصمة العريقة التي شيدها جده المولى إسماعيل، وكان ذلك في سنة أربع وثلاثين ومائة وألف للهجرة (1134 هـ / 1721-1722م)،
تلقى سيدي محمد تعليما رصينا في القرويين بفاس وفي مجالس العلم بمراكش ومكناس، حيث تتلمذ على يد صفوة علماء العصر ومحدثيه، ومن أبرز هؤلاء الأعلام نجد الشيخ أبا محمد عبد الله بن إدريس المنجرة، والفقيه أبا العباس الشرادي الذي أخذ عنه الطريقة الناصرية في مراكش، والمحدث أبا العلاء إدريس العراقي،
جدول: المحطات التعليمية والتكوينية للسلطان محمد الثالث
مخاض السلطة: تفكيك "أزمة العبيد" وإعادة بناء المركزية
عندما بويع سيدي محمد بن عبد الله سنة 1171 هـ (1757م)، لم تكن الطريق مفروشة بالورود، بل كانت البلاد تعيش ما وصفه المؤرخون بـ "عهد الاضطراب" أو "الفوضى الثلاثينية" التي أعقبت وفاة المولى إسماعيل عام 1727م،
أدرك سيدي محمد بن عبد الله برزانته المعهودة وبعد نظره أن استقرار الدولة يمر حتما عبر كسر شوكة هذا الجيش وإعادة صياغة ولائه،
الرؤية الاستراتيجية: بناء مدينة الصويرة وهندسة المغرب الأطلسي
يعد بناء مدينة الصويرة (موكادور) سنة 1178 هـ (1764-1765م) العلامة الفارقة في عهد السلطان محمد الثالث، وهي الخطوة التي جسدت انتقاله من "سياسة القلعة" في الداخل إلى "سياسة الباب المفتوح" نحو المحيط الأطلسي،
استعان السلطان بالمهندس الفرنسي "تيودور كورنو" لوضع التصاميم المعمارية للمدينة، فجاءت مزيجا فريدا بين النمط المغربي الأصيل والتحصينات العسكرية الأوروبية المتطورة، وهو ما يفسر تسميتها بـ "الصويرة" أي المدينة ذات التصميم المحكم أو المصورة بدقة، كان الهدف الاقتصادي وراء هذا المشروع هو تركيز المبادلات التجارية في نقطة واحدة لتسهيل مراقبة الجمارك ورفع مداخيل بيت المال، وتقليص النفوذ المستقل للقناصل والتجار الأجانب في الموانئ المشتتة، ولتحقيق هذه النهضة، استقطب السلطان عائلات تجارية مرموقة، منها أسر يهودية مغربية خبيرة في التجارة الدولية، ومنحهم امتيازات خاصة للقيام بدور الوساطة المالية والتجارية بين المغرب والعالم الخارجي، مما حول الصويرة إلى قطب مالي وتجاري عالمي في القرن الثامن عشر.
جدول: المنجزات العمرانية الكبرى في عهد السلطان محمد الثالث
الدبلوماسية الدولية: الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة والتحالفات الاستراتيجية
شكل عام 1777م نقطة تحول كبرى في التاريخ الدبلوماسي العالمي، حيث كان السلطان محمد الثالث أول حاكم يعترف علنا باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن التاج البريطاني،
توجت هذه المبادرة بتوقيع "معاهدة الصداقة والملاحة" في مراكش سنة 1786م، وهي المعاهدة التي تفاوض بشأنها توماس باركلي ممثلا للرئيس توماس جيفرسون وجون آدامز، تكمن أهمية هذه المعاهدة في كونها أقدم معاهدة صداقة مستمرة في تاريخ الولايات المتحدة، وقد وضعت الأسس لتعاون اقتصادي وأمني طويل الأمد، حيث التزم المغرب بحماية السفن الأمريكية من القرصنة في مياهه الإقليمية، لم يقتصر انفتاح السلطان على أمريكا، بل وقع معاهدات تجارية وصداقة مع 11 دولة أخرى، منها فرنسا في عهد لويس السادس عشر، حيث تضمنت اتفاقية 1777م بندا ثوريا يقضي بإلغاء الرق بين المسلمين والمسيحيين، مما عكس رؤية إنسانية وحداثية مبكرة للسلطان.
السيادة والتحرير: استعادة مازاغان والجهاد البحري المنظم
بالتوازي مع الدبلوماسية الناعمة، كان سيدي محمد بن عبد الله قائدا عسكريا حازما لا يتردد في استخدام القوة لاستعادة الثغور المحتلة، كان أهم إنجاز عسكري له هو تحرير مدينة مازاغان (الجديدة حاليا) من الاحتلال البرتغالي سنة 1769م (1182 هـ)، جهز السلطان جيشا عرمرما قوامه 70 ألف رجل مزودين بمدفعية ثقيلة (35 مدفعا) وقام بقصف المدينة بآلاف القذائف،
كما قاد السلطان حملة ضخمة لحصار مدينة مليلية سنة 1774م بجيش تراوح بين 30 و40 ألف رجل، ورغم أن الحصار لم ينجح في فتح المدينة بسبب الإمدادات البحرية الإسبانية المتواصلة، إلا أنه أكد للعالم أن المغرب يمتلك الإرادة والقدرة على تهديد المصالح الاستعمارية في عقر دارها، وعلاوة على ذلك، قام السلطان بتنظيم "الجهاد البحري" وجعله مؤسسة تابعة للدولة ومسخرة لخدمة أهداف السياسة الخارجية، مستخدما الأسطول المغربي كأداة للضغط في المفاوضات الدولية وضمان احترام السيادة الوطنية.
الإصلاح المذهبي والفكري: نحو سلفية سنية تجديدية
لم يكن سيدي محمد بن عبد الله مجرد سياسي وبان، بل كان مصلحا دينيا ترك بصمة عميقة في الهوية الفكرية للمغرب، تأثر السلطان بالدعوة السلفية التي بدأت تنبثق في الجزيرة العربية، ووجد فيها ضالته لمحاربة الانحرافات والبدع والجمود الذي ساد بعض الزوايا والطرق الصوفية في عصره،
أحدث السلطان ثورة في المناهج التعليمية بجامع القرويين، حيث أمر بالابتعاد عن المتون المتأخرة والكتب الحاشية التي ترهق الطالب بالتعقيدات اللفظية، وحث على قراءة "الأمهات" والكتب المؤسسة مثل "موطأ الإمام مالك"، و"مدونة سحنون"، و"كتاب البيان والتحصيل" لابن رشد الجد،
قائمة مؤلفات السلطان سيدي محمد بن عبد الله
أثرى السلطان المكتبة الإسلامية بمؤلفات تعكس منهجه الإصلاحي ورغبته في تيسير العلم الشرعي للناس، ومن أهم هذه الكتب:
الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية: وهو الكتاب الذي أعلن فيه مذهبه السلفي ودعوته للتمسك بالسنة النبوية الصحيحة.
الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد: كتاب ضخم استوعب فيه الأحاديث النبوية المرتبة على أبواب الفقه، مؤكداً فيه على وحدة أصول الأئمة الأربعة.
طبق الأرطاب فيما اقتطفناه من مساند الأئمة وكتب مشاهير المالكية والإمام الحطاب: وهو من الكتب التي طبعتها وزارة الأوقاف المغربية حديثا، ويجمع بين فقه المالكية ودلائل الحديث.
مواهب المنان بما يتأكد على الحكام: رسالة إرشادية في القضاء والإدارة وتوجيه الحكام والولاة للعدل بين الرعية.
الأحاديث السداسية والخماسية والرباعية والثلاثية والثنائية: مجموعات حديثية مرتبة حسب عدد رواة السند، تهدف لتقريب السنة لطلاب العلم.
الإدارة والسياسة الداخلية: تنظيم الجبايات وتجديد الولاء
شهدت الإدارة المغربية في عهد سيدي محمد بن عبد الله نوعا من العقلنة والترشيد، قام السلطان بتنظيم النظام الجبائي، حيث خفف من الضرائب الثقيلة التي كانت ترهق القبائل، وعوضها بمداخيل الجمارك الناتجة عن الحركة التجارية النشطة في الصويرة وغيرها من الموانئ، كما اهتم بتنظيم القضاء، وأصدر ظهائر ملكية تنظم عمل المحاكم الشرعية وتشدد على نزاهة القضاة.
وفيما يتعلق بالوحدة الترابية، كان السلطان دائم الحركة والتنقل في رحلات مخزنية جابت أرجاء البلاد من الشمال إلى أقصى الجنوب، ليطلع بنفسه على أحوال الرعية ويجدد ولاية الشيوخ والقادة، أولى السلطان اهتماما خاصا بالأقاليم الصحراوية، حيث جدد ولاية شيوخ قبائل واد نون وأدرار والساقية الحمراء، مؤكدا على مغربية هذه الأقاليم وارتباطها الروحي والسياسي بالعرش العلوي،
الوفاة والإرث: رحيل الملك المصلح واستمرار النهج
توفي السلطان سيدي محمد بن عبد الله في مدينة الرباط يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر رجب عام 1204 هـ (الموافق 11 أبريل 1790م)، وهو في طريقه من مراكش إلى مكناس، دفن جثمانه بالرباط، تاركا وراءه مملكة مستقرة، ومؤسسات عصرية، وسمعة دولية مرموقة.
إن تقييم عهد سيدي محمد بن عبد الله يكشف عن شخصية فذة جمعت بين الورع والتقوى وبين الدهاء السياسي والبراغماتية الاقتصادية، لقد استطاع أن يحول المغرب من بلد منغلق يعاني من الصراعات القبلية والتحكم العسكري، إلى دولة منفتحة تجاريا ودبلوماسيا، ومحصنة فكريا ضد البدع والخرافات،
أسماء الكتب والمصادر التي تم الاعتماد عليها
في الختام قائمة بأهم المصادر والمراجع التاريخية والحديثة التي استقيت منها المعلومات الواردة في هذا التقرير التفصيلي:
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: للمؤرخ أحمد بن خالد الناصري (خاصة الأجزاء المتعلقة بالدولة العلوية).
الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي: للمؤرخ محمد بن أحمد أكنسوس المراكشي.
تاريخ الدولة السعيدة (المعروف بتاريخ الضعيف): للمؤرخ محمد الضعيف الرباطي.
إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس: للمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان السجلماسي.
الترجمة السلطانية (أو الروضة السليمانية): للمؤرخ والوزير أبي القاسم الزياني.
الأعلام: لخير الدين الزركلي (ترجمة السلطان محمد الثالث).
الملك المصلح سيدي محمد بن عبد الله العلوي: للدكتور الحسن العبادي.
المغرب وأوروبا ما بين القرنين 18 و19: للدكتور عبد المجيد القدوري.
عناية مراكش بعلم الحديث في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله: للدكتور عباس أرحيلة.
مجلة "دعوة الحق": مقالات ودراسات تاريخية حول منجزات السلطان المولى محمد بن عبد الله.
الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية: (مؤلف السلطان نفسه).
طبق الأرطاب فيما اقتطفناه من مساند الأئمة: (مؤلف السلطان نفسه).
