تمثل شخصية السلطان مولاي اليزيد بن محمد (1750-1792م) منعطفا دراماتيكيا في تاريخ الدولة العلوية بالمغرب، حيث تجسد فترة حكمه القصيرة والمليئة بالأحداث تحولا جذريا من الاستقرار والانفتاح الذي ميز عهد والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى مرحلة من العنف الداخلي والصدام الدبلوماسي مع القوى الأوروبية، إن فهم سيرة هذا السلطان يتطلب غوصا في التفاعلات المعقدة بين السلطة المركزية والقبائل، وبين الطموحات الفردية للأمراء والضغوط الخارجية، وهو ما سجلته كتب التاريخ المغربي بدقة، مبرزة التناقضات الصارخة في شخصيته التي جمعت بين الشجاعة العسكرية المتهورة والبطش الذي لم يستثن حتى أقرب المقربين إليه.
الجذور والنشأة: وريث العرش المتمرد
ولد مولاي اليزيد في مدينة فاس في السادس من مايو عام 1750م، في بيئة ملكية كانت تشهد محاولات دؤوبة لإعادة بناء الدولة المغربية بعد عقود من الفوضى التي تلت وفاة السلطان المولى إسماعيل، نشأ في كنف والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي عرف بميوله الإصلاحي وانفتاحه التجاري على العالم،
تعد الأصول العائلية لليزيد من الجوانب التي أثارت اهتمام المؤرخين، لاسيما هوية والدته التي يرجح أنها كانت من أصول أوروبية، تذكر بعض الروايات أنها إيرلندية تدعى "شهرزاد" أو "علجة"، بينما تشير مصادر أخرى إلى أنها كورسيكية تدعى "الضاوية" (Davia Franceschini)،
سنوات التمرد الأولى والصراع مع السلطة الأبوية
لم يكن طموح مولاي اليزيد مقتصرا على خلافة والده بشكل طبيعي، بل أظهر نزعة نحو الاستقلال بالسلطة في وقت مبكر، بدأت أولى بوادر تمرده في عام 1769م، عندما كان يقود قبائل "مسوفة الصنهاجية"، وهي من أقوى القبائل آنذاك،
بلغ التوتر ذروته في عام 1182هـ، عندما كان اليزيد واليا على قبيلة "كروان"، حيث خطط للقيام بانقلاب عسكري، لكن المؤامرة كشفت، مما اضطره للفرار إلى الجبال والاحتماء بها لفترة قبل أن يحصل على عفو سلطاني جديد في عام 1184هـ (1770م)، إن هذا النمط المتكرر من التمرد والعفو يعكس صراعا ليس فقط على السلطة، بل على رؤية الدولة؛ فبينما كان الوالد يسعى للاستقرار عبر التجارة والدبلوماسية، كان الابن يرى في القوة العسكرية والصدام وسيلة لإثبات الشرعية.
الفتنة العظمى وحادثة الحرمين
شهد عام 1775م (1189هـ) تحولا خطيرا فيما يعرف تاريخيا بـ "فتنة العبيد"، حيث استغل مولاي اليزيد تذمر جيش "العبيد" (البخاري) من أوامر السلطان سيدي محمد بن عبد الله بالانتقال إلى طنجة،
في محاولة أخيرة لتقويم سلوكه وإبعاده عن مراكز التوتر في المغرب، أرسله السلطان للحج بصحبة أخيه مولاي مسلمة، لكن اليزيد استمر في نهجه المتمرد، حيث اعترض طريق وفد الحجاج المغربي واستولى على الأموال الضخمة التي كان السلطان قد خصصها كصدقات وهدايا لأهل مكة والمدينة،
الاعتصام بضريح المولى عبد السلام بن مشيش
عاد مولاي اليزيد إلى المغرب في عام 1203هـ (1788م) في ظروف غامضة، وبدلا من طلب الصفح من والده، توجه مباشرة إلى جبل العلم واحتمى بضريح الولي الصالح عبد السلام بن مشيش، اعتمد اليزيد في هذه المرحلة على "المجال المقدس" لضرب شرعية السلطة المركزية، حيث كان يعلم أن الجند والرعية يهابون انتهاك حرمة الضريح،
تولي العرش والبيعة المشروطة
توفي السلطان سيدي محمد بن عبد الله في 24 رجب 1204هـ (9 أبريل 1790م) بالقرب من الرباط.
تميزت بيعة أهل فاس لليزيد بكونها "بيعة مشروطة"، وهو تطور دستوري هام في تاريخ المغرب،
القيام بالجهاد لاسترجاع الثغور المحتلة (خاصة سبتة ومليلية).
تطهير الرعية من دنس الحمايات الأجنبية.
استشارة الأمة (العلماء والأعيان) في المسائل الكبرى.
تقريب الصالحين واعتبار مقادير الأشراف وأهل العلم.
إسقاط الضرائب غير الشرعية (المكوس).
استجاب اليزيد لهذه المطالب فورا لتعزيز شرعيته، فأصدر مراسيم بإلغاء المكوس في كبرى المدن (فاس، مكناس، سلا، الرباط، مراكش) في التاسع من شعبان، وأمر بالعودة إلى النظام الاقتصادي الذي كان سائدا في عهد جده السلطان المولى إسماعيل،
السياسة الداخلية: عهد البطش والتنكيل
بمجرد استتباب الأمر له، تحول مولاي اليزيد من "المهدي المنتظر" إلى "سلطان الدم"، حيث بدأ في تصفية حساباته القديمة مع رجال الدولة الذين خدموا والده،
نكبة الوزراء والنخبة الإدارية
كان أول ضحايا العهد الجديد هو الدبلوماسي والوزير "محمد العربي قادوس"، الذي كان مهندس سياسة الانفتاح في عهد محمد الثالث،
تعرض المؤرخ والوزير "أبو القاسم الزياني" لمحنة شديدة تحت حكم اليزيد، فقد كان السلطان يعتقد أن الزياني هو من كان يحرض والده ضده، سجن الزياني مرتين؛ المرة الأولى في مكناس، والثانية في العرائش حيث تعرض لضرب مبرح أدى إلى كسر جمجمته وأصابعه ويده، ثم نفي إلى الرباط، هذه الحوادث دفعت الكثير من الكفاءات الإدارية إلى الفرار أو الاعتزال، مما أدى إلى ارتباك في تسيير شؤون الدولة.
اضطهاد الطوائف والأقليات
شهد عهد اليزيد حملات قمعية شرسة ضد اليهود المغاربة، ربما بدافع الانتقام لعدم دعمهم المالي له أثناء تمرده، أو لاستمالة العناصر المتشددة في المجتمع،
في فاس، اتخذ السلطان إجراءات أكثر قسوة، حيث طرد اليهود من ملاحهم التاريخي وأسكنهم في خيام بائسة قرب قصبة الشراردة، وحول كنيسهم الأثري إلى سجن،
السياسة الخارجية: الصدام مع إسبانيا والحصار الفاشل
اتبع مولاي اليزيد سياسة خارجية معادية للقوى الأوروبية، باستثناء بريطانيا التي حاول التحالف معها ضد إسبانيا، طرد جميع القناصل والمبعوثين الأجانب، وهدد النصارى المقيمين في الموانئ المغربية بالسلاسل والسجن في طنجة إذا لم تلتزم دولهم بشروطه.
حرب سبتة (1790-1791م)
تعتبر محاولة استعادة مدينة سبتة الحلقة المركزية في النشاط العسكري لليزيد، فبناء على نبوءات بعض الكهان الذين أخبروه بأنه هو من سيحرر المدينة، جمع السلطان جيشا يتراوح عدده بين 18,000 و20,000 مقاتل تحت قيادة أخيه مولاي علي،
رغم الحصار الطويل الذي استمر قرابة العام، فشلت القوات المغربية في إحداث ثغرة حقيقية في الدفاعات الإسبانية،
الصراع مع الأشقاء ومعركة مراكش
سار مولاي اليزيد بجيشه نحو مراكش لاستعادتها من أخيه هشام، ووقعت معركة "زاكورة" (أو معركة أحواز مراكش) قرب نهر تانسيفت في فبراير 1792م،
دفن مولاي اليزيد في قبور الأشراف السعديين بمراكش، وطويت بموته صفحة مضطربة من تاريخ المغرب،
تحليل الشخصية والإرث التاريخي
يرسم المؤرخون المغاربة صورة متناقضة لليزيد بن محمد، فهو في نظر "الضعيف الرباطي" كان رجلا حسن الصورة، طويل القامة، أقنى الأنف، لكنه كان "رمزا للفوضى والدم"، إن سياسته القائمة على "الحديد والنار" لم تؤد إلى الاستقرار، بل زادت من حدة التمردات القبلية.
من الناحية الاقتصادية، كان إلغاؤه للمكوس محاولة للعودة إلى نقاء الشريعة كما يراها الفقهاء، لكنها في الواقع دمرت النظام المالي الذي بناه والده، مما أضعف قدرة الدولة على التحديث العسكري،
إن سيرة مولاي اليزيد تظل عبرة تاريخية حول مخاطر السلطة المطلقة عندما تقترن بطبع حاد ورغبة في تدمير مؤسسات الماضي دون بناء بديل مستقر، لقد كان "سلطانا عابرا" ترك وراءه بلدا ممزقا احتاج إلى سنوات طويلة من حكم المولى سليمان لاستعادة عافيته.
المصادر
تم استقاء مادة هذا التقرير من أمهات الكتب التاريخية المغربية والدراسات التوثيقية المتخصصة، وهي:
كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: للمؤرخ أحمد بن خالد الناصري (الجزء السابع والثامن)، وهو المصدر الأساسي للتفاصيل السياسية والنسبية وأحداث الصراع بين الأشقاء.
تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة): لمحمد بن عبد السلام بن أحمد الرباطي الملقب بالضعيف، وهو كتاب معاصر للأحداث يقدم تفاصيل دقيقة عن حصار سبتة وحياة اليزيد اليومية.
الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا: لأبي القاسم الزياني، وفيه تفصيل لنكباته الشخصية تحت حكم اليزيد ووصف للدولة الإدارية آنذاك.
البستان الظريف في دولة أولاد مولاي علي الشريف: لأبي القاسم الزياني، وهو مصدر تكميلي للأحداث العسكرية والسياسية في عهد الدولة العلوية.
سفارة محمد بن عثمان المكناسي ومشاهداته: تأليف بوكبوط (2004)، ويتناول الجوانب الدبلوماسية والعلاقات مع إسبانيا في تلك الفترة.
Encyclopedia Judaica (الموسوعة اليهودية): المجلد 12، الذي قدم معلومات حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للطوائف في عهد اليزيد.
بيعة أهل مراكش وما حولها للسلطان المولى اليزيد: دراسة متخصصة في مراسيم البيعة وانشقاق القبائل.
مجلة هيسبيريس تمودا (Hesperis-Tamuda): دراسات تاريخية محكمة حول حصار سبتة وتطورات السياسة الخارجية المغربية في القرن الثامن عشر.
- Morocco: From Empire to Independence: للباحث سي. آر. بنيل (C.R. Pennell)، الذي قدم تحليلا للتفكك السياسي في عهد اليزيد.
