السلطان مولاي سليمان بن محمد (1792 - 1822م)

 سليمان بن محمد

تمثل شخصية السلطان مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي منعطفا حاسما في تاريخ المغرب الحديث، ليس فقط لكونه أحد أبرز حكام الدولة العلوية، بل لكونه "السلطان العالم" الذي حاول التوفيق بين مقتضيات الحكم وبين مرجعيات سلفية إصلاحية في وقت كان فيه العالم يموج بالتحولات الكبرى، حكم المولى سليمان في فترة بالغة التعقيد (1792-1822م)، واجه خلالها تحديات داخلية تمثلت في الفتن القبلية وتمرد الزوايا، وتحديات خارجية تجسدت في الأطماع الاستعمارية الأوروبية الناشئة والحروب النابليونية، إن فهم سيرته يتطلب غوصا عميقا في المصادر التاريخية المعاصرة التي رسمت صورة لسلطان زاهد، فقيه، وسياسي حذر، آثر حماية بلاده بالانكماش المدروس "سياسة الاحتراز" على الانفتاح غير المضمون.

الجذور والنشأة: تكوين السلطان العالِم

ولد أبو الربيع سليمان بن محمد الثالث بن عبد الله الخطيب بن إسماعيل بن الشريف في مدينة مراكش في العشرين من محرم سنة 1180هـ (1766م). نشأ في حجر والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي كان يعد من أكثر سلاطين المغرب اهتماما بالعلم والتربية، مما أتاح لسليمان بيئة مثالية للتحصيل العلمي منذ صغره.

المسار التعليمي والمشايخ

تلقى المولى سليمان تعليمه الأولي في مراكش، ثم انتقل بطلب من والده إلى مدينة آسفي لتعلم القرآن وعلومه على يد الشيخ عبد الوهاب أجانا، لم يكن تعليمه مجرد تحصيل سطحي، بل تعمق في الفقه والحديث والتفسير والنحو والمنطق، مما جعله مرجعا علميا بحد ذاته، وقد حضر دروسه في التفسير والحديث كبار علماء عصره، مثل الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي والفقيه حمدون بن الحاج.

هذا التكوين الرصين أثر بشكل جذري على شخصيته، حيث عرف بزهده وابتعاده عن مظاهر الترف السلطاني المعتادة، فكان يكثر الصيام ويمنع في تنقلاته وجود مطبخ متنقل باذخ.

ملامح الهوية الشخصية والنشأةالتفاصيل والوصف
النسب الشريفسلالة العلويين الفيلاليين (الحسنيين)
المولد والمنشأمراكش 1766م
الصفات الجسديةجميل الصورة، أبيض البشرة، متوسط القامة
النزعة الدينيةسلفي العقيدة (تأثر بالوهابية)، زاهد في الدنيا
التكوين العلميفقيه، محدث، مفسر، ومؤلف
  

لقد كان والده سيدي محمد بن عبد الله يفضله على كثير من أبنائه لما لمسه فيه من تدين وعمق في الطلب، وهو ما جعل المولى سليمان يحمل إرث والده الإصلاحي ولكن برؤية أكثر محافظة وتشددا في المسائل العقدية ومحاربة البدع.

الصراع على العرش والبيعة المشروطة (1790-1797)

بعد وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله عام 1790م، دخل المغرب في مرحلة من الاضطراب السياسي الحاد نتيجة تنافس أبنائه على السلطة، تولى المولى اليزيد الحكم أولا، وكان معروفا بشدته، مما خلق جبهات معارضة قوية، وبوفاته في مدينة مراكش متأثرا بجراحه عام 1792م، برز اسم المولى سليمان كمرشح قوي للخلافة.

تفاصيل البيعة والحروب الأهلية

بويع المولى سليمان في فاس، ولكن هذه البيعة لم تكن شاملة في البداية، حيث نافسه إخوته مولاي هشام ومولاي مسلمة ومولاي السعيد، استمرت الحرب الأهلية قرابة سبع سنوات، تنقل خلالها السلطان بين فاس ومكناس والرباط، وخاض معارك لتثبيت شرعيته، من أبرز سمات توليه الحكم ما عرف بـ "البيعة المشروطة"، حيث اشترط عليه أهل فاس ألا يدخل في قتال أو حروب إلا للضرورة القصوى لحفظ أمر المسلمين، وهو شرط قبله السلطان نظرا لميوله السلمية والزاهدة.

المحطات الكبرى لتثبيت السلطةالسنة / الحدثالنتيجة
وفاة الوالد سيدي محمد1790مبداية النزاع بين الإخوة
مبايعة المولى سليمان بفاس1792مانقسام البلاد بين عدة سلاطين
الاستيلاء على مراكش1797محسم الصراع ضد المولى هشام وتوحيد البلاد
إخضاع آسفي وعبدةعهد القائد عبد الرحمن بن ناصردخول الحوز في طاعة السلطان

انتهت هذه الفترة باستيلاء المولى سليمان على مراكش عام 1797م، ليبدأ بعدها مرحلة التفرغ لتنظيم شؤون الدولة وإصلاح المنظومة الدينية والاجتماعية التي تضررت من سنوات النزاع.

سياسة الاحتراز: العزلة الاستراتيجية في مواجهة أوروبا

عاش المولى سليمان في عصر تميز ببروز نابليون بونابرت والحروب النابليونية التي هزت أوروبا، وهو ما دفعه إلى تبني سياسة خارجية فريدة عرفت بـ "سياسة الاحتراز" أو "الانغلاق"، كانت هذه السياسة تهدف أساسا إلى تقليل الاحتكاك بالقوى الأوروبية لحماية المغرب من التأثيرات السياسية للثورة الفرنسية ومن خطر وباء الطاعون الذي كان يتفشى في القارة العجوز.

تجليات سياسة الانغلاق ودوافعها

تضمنت هذه السياسة إجراءات حازمة، منها تقليص المعاهدات الدولية التي أبرمها والده من 11 معاهدة إلى 3 معاهدات فقط، وإغلاق العديد من المراسي (الموانئ) في وجه التجارة الدولية، كما منع السلطان العلاقات التجارية الدبلوماسية المباشرة في كثير من الأحيان، وحد من حرية تنقل التجار الأجانب داخل البلاد.

  1. المواجهة مع فرنسا: كان السلطان يتوجس خيفة من نابليون، خاصة بعد حملته على مصر، وقد واجه محاولات التغلغل الفرنسي التي تمثلت في إرسال جواسيس مثل "علي باي العباسي" عام 1801م.

  2. العلاقة مع بريطانيا: رغم الانغلاق، ظلت بريطانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، حيث تم فتح ميناء الصويرة لتصدير المنتجات الفلاحية مقابل استيراد بعض الضروريات.

  3. الصلح مع الولايات المتحدة: استمر المولى سليمان في الحفاظ على علاقات مستقرة مع أمريكا، ووقع معاهدة صلح تضمنت تبادل الأسرى وتفويض تصدير بعض المنتجات للإنجليز.

القوى الدوليةطبيعة العلاقة في عهد المولى سليمانالأحداث البارزة
فرنساحذر شديد وتوجسطرد الجاسوس علي باي العباسي
بريطانياشريك تجاري ووسيط دبلوماسياستخدام ميناء الصويرة للتجارة
الولايات المتحدةعلاقات مستقرة وممتدةتجديد معاهدة السلام وتبادل الأسرى
إسبانياعلاقات معقدة وتوازنات حذرةمعاهدة 1 مارس 1799م بمكناس

إلغاء الجهاد البحري (القرصنة)

من أهم قراراته في السياسة الخارجية كان إلغاء "الجهاد البحري" تماما، كان هذا القرار استجابة للضغوط الأوروبية التي اعتبرت النشاط البحري المغربي "قرصنة"، ولكن السلطان اتخذه أيضا لرغبته في سد الذرائع التي قد تتخذها الدول الأوروبية للتدخل عسكريا في المغرب، أدى هذا القرار إلى دمج عناصر البحرية في الجيش البري، مما أضعف القوة البحرية المغربية ولكنه خفف من حدة التوتر مع القوى البحرية العظمى.

الإصلاح الديني والصدام مع الزوايا: النزعة السلفية

يعد الجانب الديني المحور الأكثر إثارة للجدل في سيرة المولى سليمان، فباعتباره عالما فقيها، كان يرفض بشدة الممارسات الطقسية لبعض الزوايا والطرق الصوفية، معتبرا إياها بدعا تخالف جوهر الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

التأثر بالدعوة الوهابية

وصلت أصداء الدعوة الوهابية من الحجاز إلى المغرب في عهده، وقد تأثر السلطان بها بشكل واضح، حيث وجد فيها صدىً لأفكاره الإصلاحية ضد البدع والخرافات، تبادل السلطان الرسائل مع آل سعود، وأمر بترجمة بعض رسائلهم وتوزيعها على العلماء، لم يكن هذا التأثر تبعية سياسية، بل كان توافقا عقديا يهدف إلى تنقية العقيدة من شوائب الأضرحة والمواسم.

خطبته الشهيرة ضد البدع (يا أهل فاس)

ألقى السلطان خطبة تاريخية مدوية وجهها لأهل فاس وعموم المغاربة، شن فيها هجوما عنيفا على "بدع المواسم" والطواف بالأضرحة والممارسات التي تقوم بها بعض الطوائف مثل "عيساوة" و"جيلالة"، وصف السلطان هذه الأفعال بأنها "حرام ممنوع" وأن المنفق فيها ينفق في غير مشروع.

"يا أهل فاس.. اتركوا عنكم بدع المواسم.. هل فعل رسول الله لعمه سيد الشهداء موسما؟.. هل زخرفت في عهده المساجد أو زوقت أضرحة الصحابة؟.. توبوا واعتبروا وغيروا المناكر واستغفروا".

هذا التوجه الإصلاحي وضعه في مواجهة مباشرة مع الزوايا التي كانت تمتلك نفوذا روحيا واجتماعيا واسعا، مما أدى لاحقا إلى ثورات قادتها زوايا كبرى مثل الزاوية الوزانية والدرقاوية، والتي وصلت إلى حد إعلان خلعه عام 1820م.

التحديات الداخلية: الحروب القبلية وفتنة فاس

رغم زهد السلطان في القتال، إلا أن عهده شهد صراعات دموية مع قبائل الأطلس والريف، كانت قبائل الأمازيغ (البربر) تشكل تحديا دائما لسلطة المخزن، خاصة مع سياسات السلطان الدينية والضريبية.

ثورة فاس (1820)

في عام 1820م، تفاقم التمرد في مدينة فاس، حيث رفض أهلها سلطة المولى سليمان وبايعوا ابن أخيه مولاي إبراهيم بن اليزيد ثم مولاي السعيد، كان سبب التمرد مزيجا من المعارضة لسياسة السلطان الدينية والضغوط الاقتصادية الناجمة عن سياسة الاحتراز، ضرب السلطان حصارا مشددا على المدينة وأغلق طرق التموين عنها حتى أخضعها، لكن هذه الأحداث أثرت بعمق في نفسيته وزهده في الحكم.

كارثة معركة زيان (1819)

تعتبر معركة "زيان" أو "ظيان" ضد قبائل آيت أومالو وبربر كروان في الأطلس المتوسط النقطة السوداء في سجله العسكري، ففي عام 1819م، قاد السلطان جيشه بنفسه، ولكن القبائل استطاعت هزيمته ووقع السلطان أسيرا في يد البربر.

تفاصيل معركة زيانالمعطيات والنتائج
التاريخ1819م / 1234هـ
الخصومقبائل آيت أومالو بقيادة أبي بكر أمهاوش
النتيجة العسكريةانكسار جيش المخزن وفقدان الهيبة
مصير السلطانالأسر لمدة ثلاثة أيام ثم إطلاق سراحه بتبجيل

من المفارقات العجيبة أن رجال القبائل الذين أسروا السلطان عاملوا شخصه بتبجيل عظيم كونه "شريفا" من آل البيت، وتمسحوا بأهدابه طلبا للبركة رغم أنهم كانوا في حالة حرب مع نظامه السياسي، ويروي المؤرخ الناصري أن هذه الوقعة كانت سبب سقوط هيبة السلطان من قلوب الرعية.

الإدارة والمالية والعمران في عهد المولى سليمان

اتسمت إدارة الدولة في عهده بالبساطة والصرامة العلمية، حاول السلطان إصلاح النظام الضريبي فألغى بعض الضرائب غير الشرعية مثل "ضرائب الدخان"، وأحدث "ثورة جبائية" تهدف إلى تخفيف العبء عن الفقراء.

الوضع الاقتصادي والعملة

تسببت سياسة الاحتراز في نقص بعض السلع المستوردة، ولكنها شجعت الإنتاج الفلاحي المحلي في سنوات الخصب، إلا أن تهريب العملة الفضية من قبل التجار الأوروبيين أدى إلى أزمة نقدية، حيث اضطر السلطان لتعويض الفضة بالبرونز، مما أدى لارتفاع الأسعار وانهيار القوة الشرائية، وهو ما ساهم في تأجيج الثورات الداخلية.

منجزات العمران والثقافة

رغم تقشفه، ترك السلطان آثارا عمرانية مهمة ارتبطت بالجانب العلمي والديني:

  • بناء المساجد والمدارس: اهتم بترميم القرويين والمساجد الكبرى.

  • أول معجم قرآني: أمر بوضع كتاب «التوضيح والبيان، في مقرأ نافع بن عبد الرحمان» ليكون دليلا لطلبة القرآن.

  • تنظيم الملاح: أعاد تنظيم أحياء اليهود (الملاح) في فاس لضمان حمايتهم واستقرارهم.

التراث العلمي: مؤلفات السلطان المولى سليمان

لم يكن المولى سليمان مجرد حاكم، بل كان عالما مؤلفا ترك بصمة في الفقه والحديث والتاريخ، تميزت كتاباته بالدقة والانتصار للسنة ومحاربة البدع.

اسم الكتاب / الرسالةالموضوعالحالة / الموقعالمصادر
عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي ابن الجدالتاريخ والأنسابمطبوع
حاشية على شرح الخرشي على المختصرالفقه المالكيمخطوط
رسالة في السماع والغناءالأحكام الشرعية للفنمخطوط (شستربتي 4132)
أحكام الجن والتفريق بينهم وبين الإنسالفقه العقديرسالة شرعية
الرد على من أنكر التجمير زمن الصيامفقه الصيامرسالة علمية
حاشية على الموطأ والمواهب اللدنيةالحديث والسيرةتعاليق علمية

تعد هذه المؤلفات مرجعا مهما لفهم الفكر الإصلاحي المغربي في القرن التاسع عشر، وهي تعكس شخصية السلطان التي تمزج بين صرامة الفقيه ومسؤولية الحاكم.

الوفاة والوصية: انتقال السلطة (1822)

في أواخر حياته، سئم المولى سليمان من تكالب الفتن وتمر القبائل، ورأى أن قواه قد خارت عن تحمل أعباء الملك، قرر في خطوة نادرة أن يختار خليفته في حياته لضمان استقرار البلاد، فاختار ابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام.

نص الوصية التاريخية

كتب السلطان وصية مؤثرة برر فيها اختياره لمولاي عبد الرحمن، مشيدا بأخلاقه ونزاهته:

"الحمد لله.. لما رأيت ما وقع من الإلحاد في الدين.. ما أظن في أولاد سيدي محمد والدي.. أفضل من مولاي عبد الرحمن بن هشام، ولا أصلح لهذا الأمر منه، لأنه إن شاء الله لا يشرب الخمر، ولا يزني، ولا يكذب، ولا يخون.. وإنما أتيت به من الصويرة ليراه الناس ويعرفوه". 

توفي السلطان المولى سليمان في يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الأول عام 1238هـ (28 نوفمبر 1822م) في مدينة مراكش،دفن بضريح مولاي علي الشريف بباب إيلان، تاركا خلفه مغربا استطاع الحفاظ على استقلاله في وجه عواصف الاستعمار الناشئة، بفضل سياسة الاحتراز والتمسك بالهوية الإسلامية.

إن سيرة المولى سليمان هي سيرة الحاكم الذي حاول أن يكون "فيلسوفا" أو "عالما" على العرش، ورغم أن سياسة الاحتراز أدت إلى انكماش اقتصادي وتراجع عسكري، إلا أنها كانت درعا واقيا جنب المغرب الاحتلال المباشر الذي سقطت فيه الجارة الجزائر بعد سنوات قليلة من وفاته، لقد أرسى دعائم إصلاح ديني سلفي لا تزال أصداؤه تتردد في الممارسة الدينية المغربية، وظل يذكر في التاريخ بلقب "السلطان العادل" و"العلامة" الذي لم تفتنه الدنيا عن طلب العلم والزهد.

الكتب والمصادر التي تم الاعتماد عليها:

تم استقاء المعلومات الواردة من المراجع التاريخية التالية:

  1. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: لأحمد بن خالد الناصري (المجلد الثالث)، وهو المصدر الأساسي لتفاصيل الحروب والبيعات والمعاهدات.

  2. الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور براً وبحراً: لأبي القاسم الزياني (مؤرخ الدولة وسفير السلطان)، الذي وثق الرحلات الدبلوماسية وأشياخ السلطان.

  3. الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي: لمحمد بن أحمد الكنسوسي (أكنسوس)، الذي أرخ للجانب الديني والقبلي في عهد السلطان.

  4. الأعلام: لخير الدين الزركلي، الذي حصر مؤلفات السلطان وتراجم حياته.

  5. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: لمحمد مخلوف، الذي أرخ لمكانة السلطان العلمية الفقهية.

  6. النبوغ المغربي في الأدب العربي: لعبد الله كنون، الذي حلل الخطب والرسائل العلمية للسلطان.

  7. رسائل مولاي سليمان العلوي: (سلسلة ذخائر التراث الأدبي المغربي)، وهي مجموعة الرسائل والظهائر السلطانية الأصلية.

  8. جمهرة التيجان في ذكر الملوك وأشياخ مولانا سليمان: فهرسة وضعها الوزير الزياني لتوثيق السيرة العلمية للسلطان.

إرسال تعليق

أحدث أقدم