الأصول والتكوين والنشأة
تضرب الجذور العائلية والقبلية للشريف محمد أمزيان (المعروف في الوثائق الإسبانية بلقب "El Mizzian") عميقا في بنية الريف الشرقي الاجتماعية والروحية
ولد الشريف محمد بن الحاج محمد بن عبد السلام القلعي الريفي حوالي عام 1859م في بلدة أزغنغان الواقعة ضمن نفوذ قبيلة بني بويفرور، وهي إحدى الفروع الخمسة لاتحادية قبائل قلعية (إيقرعيين) المجاورة لمدينة مليلية المحتلة
نشأ الشريف محمد أمزيان في كنف بيئة مشبعة بالعلوم الشرعية والتربية الصوفية؛ إذ كانت عائلته تتولى رعاية شؤون الزاوية القادرية في بلدة أزغنغان، وهي مؤسسة روحية واجتماعية رائدة حظيت بتقدير واسع وتأثير روحي ممتد بين قبائل الريف الشرقي.
تلقى تعليمه الأولي وحفظ القرآن الكريم في كتاب هذه الزاوية تحت إشراف والده، قبل أن ينتقل إلى العاصمة العلمية للمملكة، مدينة فاس، حيث التحق بجامعة القرويين ليتعمق في دراسة الفقه المالكي وأصول الشريعة الإسلامية والقانون الشرعي
عقب نيله الإجازة العلمية وعودته إلى موطنه، عين قاض وشرعي لقبيلة بني بويفرور، ولم ينعزل الشريف أمزيان داخل محراب التصوف والتدريس الديني بانتظار العطايا والصدقات، بل اتجه إلى العمل الميداني والنشاط التجاري، فامتهن تجارة الماشية ونقل السلع والبضائع عبر الحدود بين بلاد الريف والجزائر، متنقلا بانتظام بين مدينتي مغنية وتلمسان الجزائريتين ومناطق الريف الشرقي، هذا المسار التجاري أكسبه استقلالا ماليا تاما، ومكنه من نسج شبكة علاقات اجتماعية وسياسية وثيقة مع أعيان القبائل وتجارها، ووفر له معرفة دقيقة بالتحولات السياسية الدولية والتوغل الاستعماري في الواحات الجزائرية والحدود الشرقية للمغرب، علاوة على ذلك، أتاحت له جولاته التجارية المتكررة الاطلاع على مصادر الحصول على الأسلحة والذخائر، وهي الخبرة التي وظفها لاحقا بشكل حيوي في تنظيم خطوط إمداد المقاومة
البعد البيبليوغرافي: سيرة الشريف أمزيان في الكتب
لقد حظيت سيرة الشريف محمد أمزيان باهتمام توثيقي لافت في الكتابات التاريخية المغربية والإسبانية والفرنسية، حيث تناولته بالبحث مؤلفات رصينة حاولت تفكيك جوانب شخصيته ومراحل كفاحه من زوايا منهجية متعددة
| اسم الكتاب ومؤلفه | لغة النشر وسنة الصدور | طبيعة التركيز الموضوعي والمنهجي |
الكشف والبيان عن سيرة بطل الريف الأول سيدي محمد أمزيان تأليف: الحاج العربي الورياشي | العربية، 1976م (تطوان) | يعد المصدر المرجعي الكلاسيكي الأول؛ كتبه سليل العائلة المقاومة بالاعتماد على الروايات الشفوية والوثائق المحلية، ويركز على البعد الروحي والجهادي للشريف وتفاصيل معاركه ضد بوحمارة ثم الإسبان |
الشريف محمد أمزيان: شهيد الوعي الوطني (1908-1912) تأليف: د. حسن الفكيكي | العربية، 2008م (الرباط) | دراسة أكاديمية رصينة وموثقة استندت إلى وثائق أرشيفية وطنية وأجنبية، وتركز على دور الشريف في إرساء أسس الوعي التحرري، وتعبئة القبائل، وتحليل موازين القوى السياسية والعسكرية |
إسبانيا والريف والشريف محمد أمزيان 1909-1912م تأليف: رشيد يشوتي | العربية، 2011م (الرباط) | يبحث في العلاقات المغربية الإسبانية مطلع القرن العشرين، ويدرس حركة الشريف أمزيان كمتغير حاسم أثر على التوازنات السياسية الداخلية في مدريد ودبلوماسية التغلغل الإسباني |
Les origines de la guerre du Rif تأليف: جرمان عياش (Germain Ayache) | الفرنسية، 1981م (باريس/الرباط) | دراسة سوسيوتاريخية عميقة تدرس الجذور الاقتصادية والاجتماعية لثورة الريف، وتفضح التواطؤات الأجنبية، وتحلل حركة الشريف أمزيان كبداية للتحول من الرفض القبلي إلى التنظيم الوطني |
Les secrets du Maroc espagnol تأليف: جان وولف (Jean Wolf) | الفرنسية، 1994م (الدار البيضاء) | يبحث في خبايا النفوذ الإسباني في شمال المغرب، ويركز على الجوانب العسكرية الصرفة لحملات نهر كرت والصدمات العنيفة بين قوات أمزيان والجنرالات الإسبان |
الظل الوريف في محاربة الريف تأليف: أحمد سكيرج (تحقيق: يشوتي والفكيكي) | العربية، 2010م (الرباط) | مخطوط تاريخي معاصر للأحداث يقدم رؤية دينية وفقهية مغربية حول طبيعة الصراع المسلح في الشمال ومواقف النخب الدينية من الاستعمار |
الصدام مع الروكي بوحمارة والتحول إلى المقاومة المسلحة
ارتبط البروز السياسي والعسكري للشريف محمد أمزيان على مسرح الأحداث في الريف الشرقي بظهور الجيلالي بن إدريس الزرهوني، الملقب بـ "بوحمارة" أو "الروكي"، نجح بوحمارة، بفضل دهائه واستغلاله للشائعات التي زعمت أنه الأمير مولاي محمد الابن الأكبر للسلطان الحسن الأول، في إشعال فتنة كبرى ضد السلطان الشرعي مولاي عبد العزيز بدءا من عام 1902، وفي عام 1905، أسس بوحمارة قاعدة لنفوذه في سلوان قرب الناظور، وتمكن من كسب ولاء بعض قبائل الريف الشرقي مؤقتا.
سرعان ما تبين للشريف محمد أمزيان زيف ادعاءات بوحمارة وتواطؤه العضوي مع الشركات والرأسمال الأجنبي، فمن أجل تمويل حركته العسكرية وشراء الأسلحة الفرنسية والإسبانية، أقدم بوحمارة على توقيع عقود وامتيازات منجمية مع "شركة مناجم الريف" الإسبانية وشركات فرنسية، مرخصا لها استغلال مناجم الحديد الغنية في جبل إيكسان ومناجم الرصاص في بني بويفرور، مع منحها الحق في بناء سكة حديدية عسكرية وتجارية تربط هذه المناجم بمدينة مليلية المحتلة
أمام هذا التهديد المباشر لسيادة البلاد وأراضي القبائل، بادر الشريف أمزيان إلى تعبئة القبائل وفضح تواطؤ بوحمارة
حرب الريف الأولى (1909-1912): الاستراتيجيات العسكرية والمعارك الكبرى
على الرغم من زوال خطر بوحمارة، إلا أن الشركات الإسبانية واصلت أعمالها الإنشائية ومد خطوط السكة الحديدية العسكرية نحو المناجم مستندة إلى الامتيازات الباطلة التي حازتها من الثائر، واجه الشريف أمزيان هذا التوغل بالرفض المطلق، معتبرا أن الاستمرار في الأشغال يمثل تمهيدا للاحتلال الإسباني المباشر للريف الشرقي، وفي 5 يوليو 1909، عقد أعيان قبيلة مزوجة والقبائل المجاورة اجتماعا عاما قرروا فيه حمل السلاح لوقف هذا الاختراق
انطلقت العمليات الحربية رسميا في صباح 9 يوليو 1909، عندما هاجم المجاهدون بقيادة الشريف أمزيان عمال السكة الحديدية الإسبان في منطقة سيدي موسى، مما أسفر عن مقتل ستة عمال وجرح آخرين، اتخذت حكومة رئيس الوزراء الإسباني أنطونيو ماورا من هذا الحادث ذريعة لشن حملة عسكرية واسعة النطاق لفرض السيطرة على الأحياء المحيطة بمليلية، وهو ما فجر ما يعرف تاريخيا بـ "حرب مليلية لعام 1909" أو "حرب الريف الأولى"
برزت خلال هذه الحرب عبقرية الشريف أمزيان في التعبئة والتنظيم الحربي، إذ وضع نظاما عسكريا دقيقا تلتزم بموجبه كل قبيلة بتقديم عدد محدد من الرجال للخدمة الدائمة في جبهات القتال، مع تولي القبائل تدوير مقاتليها وتزويدهم بالتموين والذخيرة، كما اعتمد نظام إنذار مبكر يعتمد على إشعال النيران فوق قمم الجبال عند رصد أي تحرك عسكري إسباني، فبمجرد رؤية الإشارة، تسارع القبائل الأخرى لإشعال نيرانها ونشر الاستنفار العام ليلتحق آلاف المقاتلين بخطوط الدفاع الأمامية
أمام هذه المقاومة الشرسة، اضطرت إسبانيا إلى زيادة موازنتها العسكرية وتعبئة قوات هائلة تجاوزت 40 ألف جندي، مستدعية جنود الاحتياط من البر الرئيسي الإسباني
معركة "وادي الذئاب" (Aghazar n Ouchen / Barranco del Lobo): في 27 يوليو 1909، استدرج المجاهدون رتلا عسكريا إسبانيا يقوده الجنرال غييرمو بينتوس في شعاب وادي الذئاب الضيقة والوعرة عند سفوح جبل غورغور، تعرض الجنود الإسبان، الذين افتقروا للمعرفة بالجغرافيا المحلية والتدريب الكافي، لنيران دقيقة وكثيفة من مواقع المقاومة المتحصنة في المرتفعات
، تحول الانسحاب غير المنظم، الذي تم دون غطاء مدفعي كاف، إلى كارثة عسكرية أسفرت عن مقتل الجنرال بينتوس و17 ضابطا، ووفاة ما بين 150 إلى مئات الجنود الإسبان وإصابة نحو 600 آخرين . الأزمة السياسية والاجتماعية في إسبانيا: انعكست هزيمة وادي الذئاب على الجبهة الداخلية الإسبانية بعنف؛ إذ تزامنت مع تعبئة جنود الاحتياط من أبناء الطبقات الفقيرة في كتالونيا وبرشلونة، مما أدى إلى اندلاع ثورة شعبية وإضرابات عامة عرفت بـ "الأسبوع المأساوي" (Semana Trágica) بين 25 و31 يوليو 1909، قمعت الملكية الإسبانية هذه الاحتجاجات بالقوة، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا وإعدام قادة سياسيين ونقابيين، وتسببت هذه الإخفاقات العسكرية في سقوط حكومة أنطونيو ماورا المحافظة في أكتوبر 1909 وتعويضها بحكومة ليبرالية لم تصمد هي الأخرى طويلا أمام استعصاء الحسم العسكري في الريف
. - حملة نهر كرت وتأسيس القوات الأهلية (1911-1912): بعد فترة من الهدوء النسبي والترقب خلال عام 1910 تخللتها مفاوضات متعثرة، تجدد الصراع بعنف في صيف عام 1911 عقب اعتداء المقاومة على بعثة طوبوغرافية عسكرية إسبانية على ضفاف نهر كرت
، وأمام الفشل المتكرر للجنود الإسبان في مواجهة أساليب حرب العصابات، قرر العقيد دأماسو برينغير تأسيس "القوات الأهلية النظامية" (Fuerzas Regulares Indígenas) في 30 يونيو 1911، وهي قوات مشكلة من مجندين مغاربة محليين تحت قيادة ضباط إسبان، بهدف الاستفادة من خبرتهم بوعورة التضاريس والقتال القريب ، ومع ذلك، واصل الشريف أمزيان تحقيق انتصارات لافتة، كان أبرزها مقتل الجنرال الإسباني سلفادور دياز أوردونيز في معركة إزهافن في 14 سبتمبر 1911، مما أدى إلى تشتت القوات الإسبانية واستيلاء المقاومين على غنائم حربية وفيرة .
وتعكس البيانات الرقمية التاريخية حجم التصاعد العسكري والمالي الذي فرضته حركة الشريف محمد أمزيان على الدولة الإسبانية:
| السنة | تعداد القوات الإسبانية المرابطة في الريف | الميزانية العسكرية الإسبانية المخصصة لحملة أفريقيا (بالبيسيتا الإسبانية) | طبيعة التحول الاستراتيجي |
| 1906 | 83,000 جندي | 157 مليون بيسيتا | التمركز الدفاعي المحدود حول الثغور تطبيقا لبنود مؤتمر الجزيرة الخضراء |
| 1909 | 115,000 جندي (بفعل استدعاء الاحتياط) | 218 مليون بيسيتا | حرب مليلية المباشرة عقب هجمات سيدي موسى ومعركة خندق الذئب الكارثية |
| 1912 | 130,000 جندي | 312 مليون بيسيتا | حملة نهر كرت المكثفة وتأسيس وحدات "الريغولارز" لحسم الصراع الإقليمي |
النهاية التراجيدية ومعركة لعزيب علال قدور
في مايو 1912، وضمن المساعي الإسبانية لتأمين السيطرة التامة عقب توقيع معاهدة الحماية بفاس، تعقبت المخابرات العسكرية الإسبانية وعيونها تحركات الشريف محمد أمزيان برفقة مفرزة تضم نحو 700 مقاتل من مجاهدي بني بويفرور وبني سيدال، وفي ليلة 14 مايو 1912، نزل الشريف ومقاتلوه في مسجد قرية "تاوريرت كدية" التابعة لقبيلة بني سيدال للاستراحة وأداء الصلاة
عند انبلاج فجر 15 مايو 1912، أدرك الشريف أمزيان وقوعه في الحصار الشرس، وبعد أدائه صلاة الصبح، توجه لرفاقه مخيرا إياهم بين خوض المعركة وطلب الشهادة أو محاولة الانسحاب الفردي
أحدثت مناشدة الشريف أمزيان ارتباكا حقيقيا في صفوف القوات الأهلية، لا سيما وأن الأيام السابقة كانت قد شهدت تزايدا ملحوظا في حالات فرار الجنود الأهلية وانضمامهم للمقاومة
عثرت القوات الإسبانية بحوزة الشريف أمزيان عند وفاته على بندقية ماوزر تقليدية، ومسدس، وختمه الشخصي، ومسبحة، ونسخة من القرآن الكريم، جمع الجثمان ونقل سريعا إلى مدينة مليلية لتأكيد هويته رسميا بموجب محضر قانوني وقعه الموثق روبرتو كانو، ولاحقا سلم الجثمان لعائلته وأعيان المنطقة، حيث نقل إلى مسقط رأسه في أزغنغان ودفن في مسجد زاوية عائلته القادرية، ليوارى الثرى بطل الريف الأول الذي رفض الاستسلام أو التفاوض على حساب مبادئه
مقاربة نقدية محايدة: الجدل حول المواقف والتحولات الجيوسياسية
من أجل التزام الأمانة العلمية وتقديم سيرة ذاتية متوازنة ومحايدة للشريف محمد أمزيان، يتوجب استعراض وتحليل المواقف المتباينة والمعقدة التي اتخذتها الأطراف المعاصرة لحركته، إذ تداخلت الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الاستراتيجية لتفرز قراءات متقاطعة وأحيانا متصادمة لتلك الحقبة التاريخية الحساسة.
المنظور السلطاني وموقف المخزن المغربي
عاش المغرب في مطلع القرن العشرين مرحلة انتقالية بالغة الحرج اتسمت بالضعف الهيكلي والتهديد الوجودي لاستقلال البلاد، ومن هذا المنطلق، لم تكن النظرة المركزية للمخزن (السلطة السلطانية) في فاس ومبعوثيها إلى حركات المقاومة الشعبية في الريف الشرقي متناغمة دوما مع المفهوم الوطني المعاصر، فقد كانت الدبلوماسية السلطانية، المحكومة باتفاقيات دولية والتزامات مالية مع القوى الأوروبية (مثل مؤتمر الجزيرة الخضراء لعام 1906)، ترى في العمليات العسكرية المستقلة التي تقودها القبائل خارج إطار التنسيق المركزي نوعا من "العصيان" (التمرد) وتهديدا لالتزامات الدولة الدبلوماسية
خشي المخزن أن تمنح هجمات الشريف أمزيان ضد المنشآت والعمال الأجانب ذريعة قانونية وعسكرية للقوات الإسبانية والفرنسية للتوغل في العمق المغربي بحجة "حماية المصالح الاقتصادية والأمنية ورعايا الدول الأوروبية"، لذلك، لم يكتف المخزن بحرمان حركة الشريف أمزيان من أي دعم لوجستي أو مالي، بل عمد مبعوثو السلطان في بعض التقارير والرسائل إلى نعت الشريف بـ "الفتان" الذي يعكر صفو العلاقات الدبلوماسية ويعطي الذرائع للمحتل، مفضلا خيار التهدئة والالتزام بالاتفاقيات القائمة لحماية ما تبقى من سيادة شكلية للدولة الشريفة
الجدل التاريخي حول موقف آل عبد الكريم الخطابي
تمثل علاقة أسرة آل عبد الكريم الخطابي (القاضي الأب وابناه محمد وامحمد) بحركة الشريف محمد أمزيان إحدى أكثر النقاط إثارة للبحث والجدل النقدي في التأريخ لثورات الريف، حيث تتنازع هذه العلاقة روايتان رئيسيتان:
تتبنى الرواية الأولى، السائدة في الوجدان الشعبي والتأريخ الوطني، فكرة الانسجام والترابط التحرري التلقائي، وتذهب إلى أن القاضي عبد الكريم الخطابي (الأب) في أجدير كان ظهيرا ومساندا قويا لثورة الشريف أمزيان، يمده بالسلاح والمؤن سرا ويحشد له الدعم المعنوي في الريف الأوسط تعبيرا عن التضامن القبلي والوطني ضد الغزو الإسباني
بالمقابل، تقدم الرواية الثانية، القائمة على الأرشيف العسكري الإسباني والكتابات النقدية الرصينة (مثل أبحاث الدكتور علي الإدريسي والمؤرخ الفرنسي جيرمان عياش)، قراءة مغايرة تكشف عن تباين استراتيجي حاد وجفاء سياسي بين الطرفين، وتثبت الوثائق التاريخية أن آل عبد الكريم الخطابي كانوا، طيلة فترة مقاومة الشريف أمزيان (1909-1912)، متحالفين مع الإدارة الإسبانية ومناهضين للعمل المسلح التلقائي للقبائل
خلال تلك الفترة، كتب محمد بن عبد الكريم مقالات أسبوعية انتقد فيها علانية حركة الشريف أمزيان ووصفها بأنها حركة غير مدروسة تجلب الخراب للمنطقة وتعيق "المد الحضاري والتنموي" الذي توفره إسبانيا، وتوج هذا التعاون بنيل آل الخطابي جوائز مالية وأوسمة إسبانية رفيعة، من بينها ميدالية "فارس إيزابيلا الكاثوليكية" للأب في يناير 1912، وصليب الاستحقاق العسكري الأبيض من الدرجة الأولى للابن محمد في 18 مايو 1912، أي بعد ثلاثة أيام فقط من مقتل الشريف أمزيان.
ولتفكيك هذا التناقض بعيدا عن منطق "التخوين" أو "التبجيل الأعمى"، يرى المحللون والمؤرخون أن هذا التباين يعكس صراعا فكريا واستراتيجيا عميقا بين رؤيتين داخل مجتمع الريف مطلع القرن العشرين:
مدرسة الشريف أمزيان (المقاومة الجهادية التقليدية): تؤمن بالرفض القاطع والمطلق لأي حضور أجنبي على الأرض، وتعتمد على التعبئة الروحية والقبلية المباشرة وحرب العصابات الفورية، دون إيلاء اهتمام كبير لعدم التكافؤ العسكري المادي مع العدو
. مدرسة آل الخطابي الأولى (الواقعية الإصلاحية التحديثية): كانت ترى أن مواجهة إمبراطورية عصرية بأسلحة تقليدية وتنظيم قبلي مفكك هي مغامرة غير محسوبة تؤدي إلى إبادة جماعية وخراب اقتصادي
، واعتقدت الأسرة بضرورة مهادنة إسبانيا مؤقتا للاستفادة من بنيتها التعليمية، وتطوير البنية الإدارية والقانونية للريف، وتأهيل جيل من المتعلمين والتقنيين ، ولم ينتقل آل الخطابي إلى خيار الكفاح المسلح إلا بعد الحرب العالمية الأولى (1919) عندما اصطدموا بخيانة الوعود الإسبانية وتعرضهم للاعتقال والتضييق، فوظفوا الخبرة الإدارية والعسكرية والتعليمية التي كسبوها من إسبانيا لتأسيس مقاومة ريفية ثانية اتسمت بالتنظيم العصري والمؤسساتي الذي أبهر العالم في معركة أنوال عام 1921 .
الرواية الكولونيالية الإسبانية
تصور الأدبيات الاستعمارية الإسبانية الشريف محمد أمزيان كعقبة كأود أمام تمدد الدولة الإسبانية ورسالتها "الحضارية والتحديثية" المقررة دوليا، فمن وجهة نظر مدريد، كانت الاتفاقيات المبرمة مع بوحمارة أو التفاهمات اللاحقة مع السلطان تمثل إطارا شرعيا لبناء سكك حديدية وموانئ تهدف لتطوير اقتصاد المنطقة وخلق فرص شغل للسكان المحليين
الذاكرة الشعبية والتراث اللامادي لمقاومة الشريف أمزيان
تركت ملاحم الشريف محمد أمزيان أثرا بليغا وعميقا في الوجدان الشعبي والثقافة غير المادية لسكان الريف، وترجم هذا التأثير في شكل أشعار شفوية شعبية تناقلتها الأجيال باللغة الأمازيغية (اللهجة الريفية) وتعرف محليا بـ "الـ إيزري" (Izran)
"سيدي محمد أمزيان يستحق صفة السيادة الذي حارب بالبندقية القصيرة... سيدي محمد أمزيان الذي يحارب ولا يخاف، لا يحتاج إلى رفقة ولا من يصاحبه"
.
كما جسد الشعر الشعبي الصدمة النفسية والحزن الجماعي العارم الذي خيم على أهالي الريف عقب استشهاده في معركة لعزيب علال قدور، حيث تم تصوير موته كحدث جلل اهتزت له الطبيعة وأظلمت له السماء
"سيدي محمد أمزيان أيها المجاهد الكبير، حزن عنك الهلال والنجوم... فحبس الهلال نوره ولم يكتمل بدرا، وانقطع المطر غضبا وحزنا على فراقك"
.
بالمقابل، أنتج الوجدان الشعبي الإسباني بدوره أنماطا شعرية وزجلية عُرفت بـ "الرومانثيرو" (Los Romanceros)، وهي أغاني الملاحم التي كانت تغنى في شوارع وحانات مدريد وبرشلونة لتصوير أهوال حرب الريف وبؤس الجنود الإسبان المرسلون إلى الجبهات، وتعد الأغنية الإسبانية الشهيرة "El Barranco del Lobo" (وادي الذئاب) تجسيدا فنيا لمدى الحزن والرعب الذي خلفته هزيمة يوليوز 1909 على يد قوات الشريف أمزيان في قلوب العائلات الإسبانية
التمييز التاريخي: الشريف محمد أمزيان والمارشال محمد بن مزيان
من القواعد الأساسية للأمانة العلمية والتوثيق الأكاديمي الحذر في الاشتباه والخلط الشائع في بعض الكتابات التاريخية وشبكات المعلومات بين شخصيتين ريفيتين تحملان اسما متطابقا ولكنهما تسيران في مسارين متناقضين كليا من حيث العقيدة العسكرية والتموضع السياسي
الشريف محمد أمزيان (1859-1912): هو البطل المجاهد، قاضي قبيلة بني بويفرور والرمز الروحي للزاوية القادرية بأزغنغان
، قاد أول ثورة مسلحة منظمة ضد التغلغل الإسباني مطلع القرن العشرين، ورفض الإغراءات والمهادنة، وسقط شهيدا في ساحة المعركة بنيران الجيش الإسباني عام 1912، وهو الذي تحدثنا عنه في هذه المقالة. المارشال محمد بن مزيان (1897-1975): هو عسكري مغربي ولد في بني انصار بالريف الشرقي
، كان والده قائدا قبليا متعاونا ومتحالفا مع السلطات الإسبانية ، عقب مقتل والده عام 1912 أثناء معارك الريف، حظي برعاية شخصية من الملك ألفونسو الثالث عشر الذي سهل قبوله استثناء في أكاديمية طليطلة العسكرية المرموقة عام 1913 لعدم كونه مسيحيا، تخرج ملازما وحارب بشراسة ضد مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي خلال حرب الريف الثانية (1921-1926) حيث أصيب في معركة أنوال ، أصبح لاحقا صديقا مقربا ودعامة أساسية للجنرال فرانشيسكو فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وتولى قيادة الفرقة الأولى لنافارا محققا انتصارات عسكرية ارتبطت في السجلات الإسبانية بانتهاكات وجرائم حرب واسعة، ترقى ليصبح الملازم العام والوحيد من أصول مغربية في الجيش الإسباني وحاكما عسكريا لسبتة وجزر الكناري وغاليسيا ، وبعد استقلال المغرب عام 1956، التحق بالقوات المسلحة الملكية ونال رتبة "مارشال" كأول شخص يحمل هذه الرتبة في تاريخ المغرب الحديث، وتولى منصب وزير الدفاع وسفير المملكة في مدريد حتى وفاته بها عام 1975 .
ويوضح الجدول التالي الفوارق البنيوية والتاريخية بين الشخصيتين:
| وجه المقارنة | الشريف محمد أمزيان (المقاوم والشهيد) | المارشال محمد بن مزيان (العسكري والمسؤول) |
| تاريخ ومكان الولادة | 1859، أزغنغان (الريف الشرقي) | 1 فبراير 1897، بني انصار (الناظور) |
| تاريخ ومكان الوفاة | 15 مايو 1912، معركة لعزيب علال قدور (بني سيدال) | 1 مايو 1975، مدريد (إسبانيا) |
| المرجعية الفكرية والتكوين | علوم الشريعة والقانون الإسلامي بجامعة القرويين | العلوم العسكرية الحديثة بأكاديمية طليطلة بإسبانيا |
| الولاء العسكري والسياسي | جبهة المجاهدين والقبائل الريفية المتحدة | الجيش الإسباني (عهد فرانكو) ثم القوات المسلحة الملكية المغربية |
| أبرز الإنجازات | إلحاق أول هزيمة تاريخية بإسبانيا في معركة خندق الذئب | قيادة الفرقة الأولى لنافارا، وتولي وزارة الدفاع المغربية وسفارة مدريد |
| مكان القبر والذاكرة | ضريح وبطل قومي شهيد ببلدة أزغنغان | مقبرة عائلية بالريف ومتحف خاص أسسته ابنته ليلى عام 2006 |
