عسو أوبسلام: القائد الأمازيغي الذي قهر جنرالات الحماية الفرنسية وصنع "سلام الشجعان"

عسو اوبسلام
تم اصلاح الصورة وتلوينها باستعمال الذكاء الاصطناعي 

تطرح السيرة الذاتية للمجاهد المغربي عسو أوبسلام (المعروف في لغة تمازيغت بـ (Assou Oubasslam) العديد من التحديات البيبليوجرافية والمنهجية أمام المؤرخين، حيث تتضارب المصادر المكتوبة والشفوية بجميع اللغات حول تفاصيل ولادته، وأصوله الأسرية، وحتى هويته البصرية الموثقة في الصور التاريخية، ولد عسو أوبسلام في قصر "تاغيا نيلمشان" الواقع جنوب شرق تنغير في منطقة جبل صاغرو، بيد أن رصد سنة ولادته يكشف عن تباين عميق بين الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية التي تناولت هذه الشخصية.


تذكر بعض الموسوعات التاريخية العامة أن ولادته كانت في حدود عام 1890، في المقابل، تذهب مصادر أخرى مونوغرافية فرنسية، مثل كتابات المؤرخ الفرنسي هنري بوردو، إلى إرجاع تاريخ الولادة إلى عام 1860، مشيرة إلى أنه خلف والده في مشيخة القبيلة وهو في سن التاسعة والعشرين عام 1889، وتتوسط مصادر فرنسية وأنجلوسكسونية أخرى هذا التباين لتحدد ولادته "في حدود عام 1880"، أو عام 1887، في حين تنفرد مراجع نادرة بتأخير ولادته إلى عام 1908، إن هذا الاختلاف المنهجي يعكس غياب التدوين الرسمي في بيئة شبه رحلية تعتمد أساسا، على الذاكرة الشفوية والأعراف المحلية، كما هي الحال في المغرب قبل دخول الإسلام إليه.

يمتد هذا التباين التوثيقي إلى الاسم الشخصي لوالده ونسبه، حيث تشير بعض الوثائق إلى أن اسمه الكامل هو "عيسى أو بوحلي نآيت بسلام"، ووالده هو "بوحلي بسلام" أو "باعلي بسلام"، في حين تورد مصادر عربية وأجنبية أخرى اسمه في صيغة "عيسى أو علي نآيت بسّلام"، معتبرة أن والده هو "علي أوبسلام".

ومن الإشكالات النقدية البارزة في سيرة عسو أوبسلام ما يتعلق بالهوية البصرية والتوثيق الفوتوغرافي، إذ تؤكد الروايات العائلية ومحقّقو التاريخ المحلي بالمنطقة أن الصورة الفوتوغرافية الشهيرة المتداولة عالمياً في الكتب وعلى شبكة الإنترنت، والتي تظهره جالسا بزيه الأمازيغي التقليدي بعد معركة بوغافر، لا تعود في الحقيقة لعسو أوبسلام نفسه، بل هي صورة لأخيه الأصغر "الحاج لحسن أوبسلام"، وقد عاش عسو يتيما بعد مقتل والده في صراع ثأر عائلي قديم وقاس بين عائلته وعائلة "آيت فل" في بلدة تاغيا، وتربى برفقة إخوته: لحسن، وإبراهيم، وتلا، وخيرة، ونشأ على قيم الأنفة والجلد وحب الحرية، وتولى مشيخة قبيلته "إيلمشان" (إحدى الفخذات الرئيسية لقبيلة آيت عطا) في ربيع عام 1919، وعرف بورعه الديني الشديد وتصوفه، حيث كان يلقب بين رفاقه بـ "الفقير"، لاتباعه الطريقة الصوفية الدرقاوية التي تميزت بالتشدد في السلوك والزهد.

البنية السوسيو-سياسية لاتحادية آيت عطا وصعود الزعامة الحربية

يرتبط صعود عسو أوبسلام كقائد سياسي وعسكري بالبنية الاجتماعية والسياسية المعقدة لقبائل آيت عطا الأمازيغية ذات الأصول الصنهاجية، تميزت هذه الاتحادية القبلية عبر التاريخ ببنيتها الانقسامية الصارمة وتقسيمها التنظيمي إلى "أخماس"، وكانت تعتمد في إدارة شؤونها على نظام قضائي عرفي راسخ يعرف بـ "أزرف" أو "العرف الأمازيغي"، تسهر عليه هيئة حكماء منتخبة تسمى "آيت أزرف".

لم تكن القيادة في مجتمع آيت عطا وراثية أو مستبدة، بل كانت تخضع لآلية ديمقراطية دورية يعين بموجبها قائد سنوي عام للاتحادية يسمى "أمغار ن أوفلا" (الشيخ الأعلى)، ويتم انتخابه في فصل الربيع بملتقى "أدمام" بالقرب من إغرم أمازدار، بيد أن التغلغل العسكري الفرنسي في التخوم الشرقية والجنوبية للمغرب بدءا من عام 1907، وتنامي الأطماع الإقطاعية لآل الكلاوي (بزعامة الباشا التهامي الكلاوي) المدعومين من سلطات الحماية الفرنسية، فرض على مجتمع آيت عطا تعليق الصيغ الإدارية السلمية التقليدية وتأسيس قيادة حربية دائمة قادرة على خوض معارك دفاعية طويلة الأجل.

بدأت أولى المواجهات الكبرى بين آيت عطا وقوات الحماية عام 1899، وتطورت إلى اصطدامات مسلحة عنيفة في وادي تودغى عام 1918، حيث فشلت محاولة عسكرية مشتركة بين الفرنسيين وقوات الكلاوي لإخضاع المنطقة بفضل صمود المقاومة المحلية وتنسيقها المبكر، وفي أواخر عام 1932، تلاقت وفود قبائل آيت عطا في قصر "تاغيا" للتداول في الخطر المحدق بجبال صاغرو بعد خضوع أغلب المناطق المغربية وتطويق الجنوب الشرقي، فتقرر بالإجماع مبايعة عسو أوبسلام كقائد عام لجيوش الجهاد والمقاومة، ونجح بفضل كاريزمته القيادية في توحيد فروع القبيلة وتجاوز النزاعات الداخلية، وتشكيل حلف دفاعي ضم قبائل أطلسية مجاورة مثل آيت مرغاد، وآيت حديدو، وآيت عبدي، وآيت سخمان.

التفاصيل التكتيكية والعسكرية لمعركة بوغافر 1933

تعتبر معركة بوغافر، التي دارت رحاها بين 13 فبراير و25 مارس 1933، ذروة المقاومة المسلحة الأمازيغية في الجنوب المغربي والصفحة الختامية لما يعرف في السردية الاستعمارية بـ "تهدئة المغرب"، اختار عسو أوبسلام جبل بوغافر، المتميز بتضاريسه الوعرة وقممه الشاهقة البالغة 2275 مترا، كقاعدة عسكرية رئيسية للمقاومة نظرا لحصانته الطبيعية وإشرافه على الممرات الاستراتيجية لمنطقة صاغرو.

عبأ الجيش الفرنسي قوة عسكرية هائلة لإخضاع الجبل، حيث وضعت العمليات تحت القيادة العليا للمفتش العام للقوات العسكرية في شمال إفريقيا الجنرال Antoine Huré، بمساعدة الجنرال Henri Giraud (قائد القوات بالحدود الجزائرية المغربية)، والجنرال Georges Catroux (قائد جبهة مراكش)، وتكونت القوات الميدانية من اللفيف الأجنبي (ولا سيما الفيلقين الأول والثاني والكتيبة الثالثة لـ REI)، وسريتين من الصباحي الجزائري الثامن، والعديد من فيالق الكوم المغربية المختلطة (الفرق 7 و16 و17 و28 و33)، بالإضافة إلى آلاف المجندين المحليين الموالين لفرنسا وحلفائهم من الكلاويين، ودعمت هذه التشكيلات بمدفعية ثقيلة من عيار 75 ملم و81 ملم و44 طائرة حربية حشدت في مطار ورزازات العسكري.

وفي المقابل، لم تكن قوة عسو أوبسلام تتجاوز 12,000 شخص، من بينهم حوالي 1,000 إلى 2,000 مقاتل فقط، بينما تشكل الباقون من النساء والأطفال والشيوخ الذين نزحوا مع ماشيتهم للاحتماء بالجبل، ولم تكن أسلحتهم تتعدى بنادق بسيطة وتلقيدية مثل بنادق "بوشفر" وبنادق "Gras" ونموذج "Lebel" و"Mousqueton 92".

تطورت العمليات العسكرية وفق تسلسل زمني حافل بالتكتيكات والمفاجآت العسكرية:

  • 5 فبراير 1933: خاض الكابتن "لاكروا" معركة طاحنة في "تيزي نوليلي"، حيث كبدت المقاومة فيالق الكوم خسائر فادحة، مما اضطر الجنرال هوري إلى تعليق الهجمات المباشرة وإعلان الجبل منطقة عصية على الاختراق العسكري التقليدي.

  • 12 - 13 فبراير 1933: بدأت القوات الفرنسية حركتها الشاملة بمهاجمة المنحدرات الشمالية والجنوبية لتطويق كتلة صاغرو.

  • 14 فبراير 1933: أحرز المقاومون نصرا تكتيكيا باهرا، إذ هاجموا قافلة إمداد فرنسية تابعة لمجموعة "ديسباس"، فقتلوا ستة من جنود اللفيف الأجنبي واستولوا على 117 بغلا محملا بالمؤن والذخيرة، كما نجحوا في إسقاط طائرة حربية فرنسية وقتل طاقمها.

  • 18 - 28 فبراير 1933: ضربت القوات الفرنسية حصارا مشددا على الجبل وبدأت قصفا مدفعيا وجويا متواصلا ليل نهار، وفي 28 فبراير، شنت القوات الفرنسية هجوما واسعا قاده الكابتن "هنري دي ليسبيناس دو بورنازيل" (المعروف بـ "الرجل الأحمر")، وبسبب لونه المتميز الذي كان يعتقد المجندون المحليون أنه يمنحه "بركة" تحميه من الرصاص، أمر ذلك اليوم بخلع سترته الحمراء وارتداء جلباب مخطط، ومع ذلك، تمكن قناصة آيت عطا من رصده وإصابته إصابة قاتلة في البطن لقي على إثرها حتفه، أدى مقتله إلى ذعر شديد بين قواته من قبيلة "البرانس" المجندة، فتراجعوا في فوضى عارمة، وفشل الهجوم الفرنسي مخلفا وراءه مقتل الكابتن "بونيت" والكابتن "فوشو" وملازمين و64 جنديا فرنسيا.

  • مارس 1933: لجأت القيادة الفرنسية إلى استراتيجية الحصار القاسي والإبادة غير المباشرة، فقامت بقصف منابع المياه والآبار العذبة وتفخيخ الدواب النافقة لمنع المقاومين من التزود بالماء، تفشى وباء التيفوس بين المحاصرين وحصد الجوع أرواح المئات من الأطفال والنساء والماشية، وفقد عسو أوبسلام في هذا الحصار أربعة من أفراد أسرته، من بينهم ابنته الصغيرة ذات الثلاثة عشر ربيعا جراء القصف الجوي.

مفاوضات "سلام الشجعان" والبعد الرمزي للقاء الاستسلام

أمام الكارثة الإنسانية المحققة والموت الجماعي خنقا وعطشا وتفشيا للأوبئة، واستحالة مواصلة القتال بعد نفاد الذخيرة، اتخذ عسو أوبسلام قرارا تاريخيا بإنهاء القتال وحقن دماء من تبقى من قبيلته، وفي 24 مارس 1933، بدأت الاتصالات الرسمية لعقد الهدنة، وتوجه أوبسلام في اليوم التالي، 25 مارس، للقاء الجنرال هوري في مشهد مهيب سجله الأرشيف العسكري الفرنسي كأحد أكثر لقاءات الاستسلام عزة وكرامة في التاريخ الاستعماري.

نزل عسو أوبسلام من الجبل وهو يعرج جراء إصابته، ممتشقا جلبابه الصوفي البسيط وعمامته التقليدية، رافضا الخضوع المذل، وتذكر الوثائق التاريخية أنه واجه الجنرال هوري بشموخ، معلنا أنه لم يأت مستسلما بل مفاوضا باسم أنداد شجعان، وعندما أشار إليه الجنرال هوري بوضع سلاحه جانبا، رفض أوبسلام ورفاقه السبعة تجريد أنفسهم من البنادق حتى إنهاء التفاوض.

وفي لفتة طريفة ومثيرة وثقتها كتابات ميمون أم العيد "في مؤلف أوراق بوغافر السرية" نقلا عن التقارير الاستخباراتية الفرنسية، وجه أحد الضباط الفرنسيين عدسة آلة تصوير ضخمة نحو القائد عسو أوبسلام لتخليد تلك اللحظة التاريخية، ونظرا لعدم معرفة المقاومين الأمازيغ بتلك التكنولوجيا ورؤيتهم للآلة لأول مرة، ظنوا أنها سلاح فتاك جديد موجه لغدرهم، فقام عسو أوبسلام ورفاقه السبعة في حركة سريعة ومتزامنة برفع بنادقهم وتوجيهها مباشرة نحو المصور وصاحب الآلة استعدادا لإطلاق النار، تدخل المترجم الرسمي "الشاوش حميدة الدمناتي" بسرعة لتهدئة الموقف، وشرح لأوبسلام طبيعة الآلة ووظيفتها السلمية لتخليد المناسبة، فضحك الجنرال هوري وخفض المقاومون بنادقهم ببطء محتفظين بيقظتهم.

وكان عسو أوبسلام قد خاض قبل استسلامه، وتحديدا في 5 مارس، لقاء عاصفا مع المتعاون المحلي "علي أوحدى" (شيخ الرك وممثل السلطات الفرنسية)، تبادلا فيه شتائم قبلية قاسية ورفض خلاله أوبسلام شروط الإذعان مطلقا مقولته الشهيرة: "كلمتي بكلمة الجنرال هوري، ونحن أنداد".

وقع الطرفان شروط هدنة تمثلت في سبعة شروط رئيسية انتزعها أوبسلام بذكاء سياسي فاق ميزان القوى العسكري على الأرض:

البند المتفق عليه في معاهدة الهدنة

القيمة القانونية والاجتماعية والسياسية للبند
الاستسلام والولاء المباشر للمخزن المغربي (السلطان)

تأكيد الانتماء للسيادة الوطنية ورفض الخضوع للإدارة الاستعمارية المباشرة.

إبعاد سلطة الباشا التهامي الكلاوي عن أراضي آيت عطا

منع الإقطاعية الكلاوية من التمدد في مناطق صاغرو وحماية القبيلة من بطشهم.

إبقاء الأسلحة الفردية في أيدي السكان والامتناع عن تجريدهم منها

الحفاظ على رمز كرامة المحارب وقدرته المستقبلية على حماية نفسه والقبيلة.

عدم إخضاع السكان لأعمال السخرة والعمل الإجباري الاستعماري

حماية كرامة الفرد ومنع استغلال اليد العاملة المحلية في مد الطرق وحفر المناجم.

منع استدعاء نساء آيت عطا للغناء والرقص في الحفلات الرسمية للاحتلال

شرط أخلاقي واجتماعي صارم مستمد من غيرة أوبسلام الدينية والقبلية لحفظ شرف النساء الأمازيغيات.

احترام الأعراف والقوانين التقليدية للقبيلة (أزرف)

الحفاظ على الهوية القضائية والتشريعية المستقلة لاتحادية آيت عطا.

السماح للمقاومين بالعودة الفورية إلى أراضيهم وممتلكاتهم

إلغاء أي إجراءات ترحيل قسري أو حجز للممتلكات والأراضي الزراعية والمراعي.

سجلت عمليات الاستسلام النهائية نزول 490 أسرة تمثل حوالي 2,900 شخص من الجبل، كانوا محملين بـ 195 بندقية ذات طلقات سريعة و174 بندقية تقليدية قديمة نموذج 1874.

مرحلة ما بعد المقاومة: المنفى، الإدارة تحت الحماية، والصراع حول "أزرف" بعد الاستقلال

لم يدم الاستقرار الطويل لعسو أوبسلام بعد المعركة؛ إذ تذكر المراجع الفرنسية الموثقة لسيرته أنه بعيد استسلامه بفترة وجيزة، نفته سلطات الحماية الفرنسية بتهمة "العصيان والاستمرار في تأليب القبائل والتحريض ضد المصالح الفرنسية"، وتدخل هذه الواقعة ضمن سياستها لفصل الرموز الكاريزمية عن قواعدهم الشعبية، بيد أن حاجتها لإدارة جبال صاغرو الوعرة وضبط قبائل آيت عطا الشاسعة، جعلتها تتصالح معه وتعيده لمنطقته، وفي عام 1939، تمت ترقيته وتعيينه رسميا في منصب "قائد" (Caïd) على جبل صاغرو وما جاوره، وأدار شؤون منطقته بنزاهة وعدل، وكان يتدخل لفض النزاعات القبلية بالاعتماد على التحكيم العرفي التقليدي.

عقب استقلال المغرب عام 1956، تم تكريم عسو أوبسلام كبطل وطني مجيد؛ واستقبله الملك الراحل محمد الخامس في الرباط عام 1957 محاطا بتقدير رسمي وشعبي كبيرين، وتم تثبيته وتعيينه مجددا في منصب قائد قبائل آيت عطا في عهد الاستقلال بظهير شريف، وفي أواخر عام 1956، توجه لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة كواحد من قلة من أعيان آيت عطا الذين سافروا للحجاز في تلك الفترة، تاركا ابنه القائد "علي أو الحاج عسو أوبسلام" نائبا عنه في إدارة المنطقة.

غير أن مسار أوبسلام بعد الاستقلال تميز بمواجهة سياسية وإدارية حادة مع السلطة المركزية الجديدة وحزب الاستقلال المهيمن على الحكومة آنذاك، تمثلت هذه المواجهة في ثورته واعتراضه الشديد على سعي الإدارة المغربية الحديثة إلى إلغاء "القانون العرفي الأمازيغي" (أزرف) وتعويضه بقوانين قضائية موحدة وعبر إلغاء المحاكم العرفية التي كانت تدير شؤون القبائل الجنوبية، تمسك أوبسلام بتطبيق العرف الأمازيغي التقليدي في كافة مناطق نفوذه، ورفض التنازل عن الخصوصية التشريعية للقبائل، معتبرا إياها ركنا أساسيا من أركان هوية المجتمع الأمازيغي في الجنوب الشرقي وضمانة أساسية لاستقراره وظل يمارس مهامه القيادية والقضائية العرفية في منطقته حتى وفاته إثر مضاعفات داء السكري في 16 غشت 1960، حيث ووري الثرى في مقبرة أجداده ببلدة تاغيا نيلمشان.

السرديات الأدبية والفنية المعاصرة وإشكالية الرقابة على التاريخ

تجاوزت سيرة عسو أوبسلام ومعركة بوغافر الجانب التاريخي الصرف لتلهم النتاج الأدبي والفني بجميع اللغات، حيث رصد الشعر الأمازيغي الشفهي (أماورغ) مأساة بوغافر وقسوة الحصار، وعبر عن مواقف متناقضة تجاه معاهدة الصلح، ووثقت الشاعرة العطاوية "عدجو موح أيت يشو" في قصائدها المريرة مرارة التراجع وإلقاء السلاح، مهاجمة الموقعين على الاتفاق ومحذرة من ضياع قيم الرجولة، وخلدت قصائد أخرى صعود المقاومين للجبل بروح دينية جهادية عالية ترتكز على مرافقة النبي والصحابة والشهادة في سبيل الشرف والوطن.

وفي العصر الحديث، شهد النتاج الموسيقي الأمازيغي الملتزم بالجنوب الشرقي إحياء واسعا لرمزية عسو أوبسلام ومعركة بوغافر، وتجلى ذلك بوضوح في مطلع الألفية الثانية مع الفرقة الموسيقية الشهيرة "مجموعة صاغرو" (Saghru Band) بقيادة الفنان الراحل مبارك أولعربي (المعروف بـ NBA)، حيث اعتمدت المجموعة على الكلمات الثورية الملتزمة المستوحاة من تضحيات أوبسلام وجعلت من قضيته محورا لأغانيها التحررية التي لاقت صدى واسعا بين طلبة الجامعات والحركة الأمازيغية، كما ساهم الفنان والشاعر الأمازيغي "موحا ملال" في رسم مآسي صاغرو في لوحاته الفنية وأغانيه الملتزمة التي تمزج بين الشعر التقليدي والموسيقى المعاصرة لإعادة كتابة التاريخ شفوياً وبصرياً.

بيد أن تخليد هذه الذاكرة يواجه عقبات رقابية وتاريخية مستمرة في المغرب المعاصر، حيث تشير دراسات أكاديمية حديثة في علم الاجتماع السياسي إلى وجود نوع من الرقابة والمنع الممنهج من طرف الهيئات الحكومية ومؤسسات القنوات الرسمية فيما يتعلق بإنتاج وبث الأفلام الوثائقية أو السينمائية التي تتناول رموز المقاومة في "الهوامش" مثل عسو أوبسلام، وموحا أوحمو الزياني، وعبد الكريم الخطابي، ويرى باحثون أن التاريخ الوطني الرسمي يميل لتبني سردية ممركزة حضريا تركز على الحركة الوطنية، متجاهلة جزئيا التضحيات الجسيمة والدور التأسيسي للمقاومة المسلحة القبلية في الجبال والصحاري، ويجد أبناء جبل صاغرو في وسائل التواصل الاجتماعي والإنتاج المستقل متنفسا بديلا لنشر وتوثيق تاريخ أجدادهم وحمايته من النسيان والمحو الممنهج.

إرسال تعليق

أحدث أقدم