الصورة مصممة بالذكاء الاصطناعي بناء على صور الانترنت
ولد الأمير الحسن بن محمد في مدينة فاس عام 1836 م، ونشأ في بيئة سياسية وعسكرية معقدة طبعتها الهزائم العسكرية القاسية التي تلقاها المغرب أمام القوى الأوروبية
يرتبط اسم السلطان الحسن الأول بن محمد بمرحلة دقيقة ومصيرية من تاريخ المغرب المعاصر، تميزت بالضغوط الاستعمارية المتزايدة ومحاولات الإصلاح الهيكلي الجريئة
تولي العرش وانتفاضة الدباغين بفاس عام 1873 م
غير أن انتقال السلطة لم يمر دون عقبات داخلية؛ إذ واجه السلطان الجديد فور دخوله مدينة فاس انتفاضة اجتماعية خطيرة عرفت تاريخيا باسم "انتفاضة الدباغين" أو "عيطة بنيس"، اندلعت الشرارة الأولى لهذه الحركة الاحتجاجية، التي تزامنت مع شهر رمضان، بسبب قرار وزير المالية الجديد آنذاك، المدني بنيس، بفرض ضرائب جديدة على المعاملات التجارية وسوق الجلود تعرف بـ "المكوس"، وكان حرفيو ودباغو فاس قد اشترطوا لمبايعة السلطان إلغاء هذه المكوس غير الشرعية، معتبرين فرضها نكثا للعهود
وتطورت الاحتجاجات سريعا إلى ثورة عمالية هاجم فيها الدباغون دار أمين الأمناء المدني بنيس وعمدوا إلى إحراقها ومحاولة تصفيته
التدبير الإداري ونفوذ النخب العائلية في بلاط المخزن
تميزت البنية الإدارية والسياسية في عهد السلطان الحسن الأول بنظام دقيق اعتمد فيه على توازنات قبلية وعائلية شكلت العمود الفقري للمخزن، وكانت بعض الأسر البورجوازية والأرستقراطية تحتكر المناصب العليا في الوزارة والحجابة ورئاسة العسكر والمالية، مما جعلها تتوارث النفوذ والسيطرة العقارية
برزت في هذه الحقبة أسرة "آل بن موسى" (الأسر البخارية) كواحدة من أكثر العائلات نفوذا، حيث تولى أفرادها مناصب الصدارة والوزارة والحجابة، وكان من بينهم الصدر الأعظم القوي أحمد بن موسى (با حماد) الذي لعب دورا محوريا كواصي على العرش بعد وفاة السلطان الحسن الأول، وإلى جانب آل بن موسى، برزت عائلات مخزنية أخرى ساهمت في تدبير الخزينة والسياسة الخارجية مثل عائلة بنجلون التي كانت في خدمة الدولة منذ عهد الحسن الأول، وعائلات بنسليمان، التازي، بنشقرون، بناني، وعائلة بنيس التي ارتبط اسم أحد أفرادها بالاضطرابات المالية لعام 1873 م
الأزمة المالية واختلال النظام النقدي
واجه المخزن الحسني تحديات اقتصادية هيكلية ناتجة عن التغلغل التجاري الأوروبي واختلال النظام النقدي الجبائي،
المشروع الإصلاحي العسكري والدبلوماسي والتعليمي
أدرك السلطان الحسن الأول أن مواجهة الأطماع الإمبريالية تقتضي تحديثا شاملا لمؤسسات الدولة العسكرية والتعليمية
الإصلاح العسكري وتأسيس دار الماكينة
ركز السلطان على مأسسة الجيش عبر تحويله من نموذج "جيش الحركات" القائم على المتطوعين القبليين إلى "جيش نظامي" محترف يتلقى تدريبات مستمرة ورواتب قارة
وللحد من الارتهان التكنولوجي للخارج، أمر السلطان بتأسيس مصنع متطور للأسلحة والذخيرة بمدينة فاس عرف بـ "دار السلاح" أو "دار الماكينة"
التوازن الدبلوماسي والعلاقة مع ألمانيا
شهد عهد السلطان الحسن الأول تحولا مهما في تمثل المغاربة للقوى الدولية؛ فبعد انتصار ألمانيا على فرنسا في معركة "سيدان"، سعى المخزن إلى التقارب مع برلين كقوة صاعدة لموازنة الضغوط الاستعمارية الفرنسية والبريطانية
البعثات التعليمية وتحديث العقل المغربي
تعتبر البعثات التعليمية إلى الخارج إحدى أبرز ميزات العصر الحسني، بادر السلطان بإرسال بعثات طلابية إلى بلدان أوروبية مثل فرنسا (مدينة مونبلييه عام 1885 م)، وإيطاليا (تورينو عام 1888 م)، وإنجلترا، وجبل طارق، كان الهدف تكوين نخبة وطنية تتقن العلوم العصرية واللغات الأجنبية كأداة للمفاوضة والحوار الدولي
شملت المناهج الدراسية الموجهة للطلاب طائفة واسعة من العلوم العصرية والتقليدية المنظمة في جدول علمي دقيق
بالتوازي مع هذه البعثات، اهتم السلطان بإصلاح التعليم التقليدي داخل جامعة القرويين بفاس؛ فأدخل تدريس بعض العلوم الحديثة مثل الرياضيات والفلك والهندسة، ودعم الطلاب والعلماء لربط المعارف العصرية بالأصول التقليدية، غير أن هذه التجربة الطموحة اصطدمت بالفشل والإجهاض لعدة عوامل؛ من أبرزها معارضة الفقهاء والأوساط التقليدية المحافظة التي وصفت الخريجين بأوصاف منفرة وحاربت أفكارهم، إلى جانب إهمال الإدارة المخزنية لهؤلاء الأطر بعد عودتهم وتعيينهم في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم، ناهيك عن الضغوط الأجنبية المستمرة لتوجيه هذه البعثات لخدمة مصالحها الخاصة
حركات السلطان الميدانية وتثبيت السيادة الترابية
عرف السلطان الحسن الأول بحركاته العسكرية الميدانية المستمرة التي جاب خلالها المغرب طولا وعرضا طيلة عشرين عاما، حتى لقب بـ "السلطان الذي كان عرشه على ظهر جواده"، كانت هذه الحركات أداة أساسية لفرض سيادة الدولة، وإخضاع القبائل الثائرة، وجمع الضرائب، وحماية الثغور من الأطماع الأوروبية
حملات إخضاع الأطلس وتادلا
قاد السلطان حملات عسكرية متعددة نجح من خلالها في إخضاع العديد من القبائل المتمردة وتأمين طرق القوافل التجارية
السيادة على الأقاليم الجنوبية ووادي نون
شكلت سواحل المغرب الجنوبية مسرحا لمنافسة حامية بين الأساطيل والبعثات الاستكشافية الأوروبية التي سعت إلى بناء مستودعات تجارية والاتصال بشيوخ القبائل الصحراوية خارج سلطة المخزن
وعندما تناهى إلى علم السلطان أن تجارا بريطانيين يقودهم التاجر " جيمس كورتيس" قد شرعوا في تشييد مركز تجاري بطرفاية والبيع والشراء مع القبائل المحلية، نهض السلطان بنفسه لحسم هذا الفساد
مؤتمر مدريد 1880 م وفشل إصلاح ضريبة الترتيب
مثلت قضية "الحماية القنصلية" إحدى أخطر الآليات التي استخدمتها القوى الاستعمارية لتفكيك السيادة المغربية من الداخل
ولعلاج هذه المعضلة السيادية، دعا السلطان الحسن الأول الدول الأوروبية لعقد مؤتمر دولي في مدريد عام 1880 م لإعادة تنظيم وتحديد صلاحيات الحماية القنصلية
الموت المفاجئ في تادلا وحيلة الكتمان السياسي عام 1894 م
تعتبر تفاصيل وفاة السلطان الحسن الأول وكيفية تدبير انتقال العرش من أكثر اللحظات إثارة وحنكة سياسية في التاريخ المغربي الحديث، ففي أواخر ربيع عام 1894 م، عاد السلطان من حملة عسكرية شاقة وتوجه على رأس حركته العسكرية نحو منطقة تادلا لتأمين المسالك وإخضاع بعض بؤر التمترس القبلي
توفي السلطان الحسن الأول في الساعة الحادية عشرة من ليلة الخميس 3 ذي الحجة 1311 هـ (الموافق 6 يونيو 1894 م) على مقربة من وادي العبيد من أرض تادلا، أدرك الصدر الأعظم والوزير الأكبر با حماد خطورة الموقف؛ فالجيش والمخزن متواجدون في وسط قبائل غير آمنة ومتمردة، وإعلان وفاة السلطان في تلك اللحظة سيتسبب في تشتت العسكر ونهب المحلة المخزنية ودخول البلاد في فتنة عمياء
لجأ با حماد إلى خطة سياسية ماكرة اتسمت بالحزم والسرية التامة
استمرت هذه الرحلة الجنائزية الصامتة لمدة يومين كاملين حتى أصبحت المحلة المخزنية على مقربة من مدينة الرباط وفي مأمن من خطر التمرد القبلي
المصادر والمراجع المستنبطة
تستند المعلومات والبيانات الواردة في هذه الترجمة المنقحة للسلطان الحسن الأول بن محمد إلى أمهات الكتب التاريخية والوثائق المخزنية والدراسات الأكاديمية المتخصصة التالية:
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (الجزء التاسع) - تأليف المؤرخ الشهاب أحمد بن خالد الناصري السلاوي؛ وهو المصدر المعاصر الرئيس الذي وثق أحداث العصر الحسني وسفاراته وحركاته العسكرية بالتفصيل
.إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس (الأجزاء الثاني والثالث والخامس) - تأليف المؤرخ النسابة عبد الرحمن بن زيدان؛ ويعد المرجع الأهم في نقل رسائل السلطان وظهائره الشريفة ومراسلاته مع الأمناء والسفراء
.الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة - تأليف المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان؛ وفيه تفصيل النظم المخزنية وبناء القصور والمنشآت العسكرية والبعثات في فاس
.العز والصولة في معالم نظم الدولة (الجزء الثاني) - تأليف عبد الرحمن بن زيدان؛ ويبحث في تطور التنظيمات الإدارية والعسكرية في عهد السلطان الحسن الأول
.مظاهر يقظة المغرب الحديث (الجزء الأول) - تأليف المؤرخ الفقيه محمد بن عبد الهادي المنوني؛ وهو المرجع المعتمد لتتبع تاريخ تأسيس دار الماكينة والبعثات التعليمية وإصلاح التعليم بجامعة القرويين
.الأمناء بالمغرب في عهد السلطان الحسن الأول - دراسة أكاديمية متخصصة للباحثة نعيمة هراج التوزاني (سلسلة رسائل وأطروحات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط)؛ وتبحث في البنية المالية وتدبير الموانئ والجمارك والنظام الجبائي في العصر الحسني
.البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن - تأليف الدكتور جمال حيمر (منشورات الزمن)؛ ويقدم تقييماً شاملاً لنتائج البعثات الطلابية المغربية الموفدة إلى أوروبا وأسباب تعثرها
.الإصلاحات العسكرية بالمغرب 1844-1912 - تأليف الدكتورة بهيجة سيمو (منشورات اللجنة المغربية للتاريخ العسكري)؛ وتكشف تفاصيل تحديث هياكل الجيش واقتناء الأسلحة وتأسيس المعامل الحربية
.المغرب في عهد السلطان حسن الأول - تأليف المؤرخ محمد العربي معريش؛ وهو مرجع تاريخي عام يبحث في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغرب خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر
.تاريخ الدبلوماسية المغربية - تأليف المؤرخ الدبلوماسي الدكتور عبد الهادي التازي؛ ويوثق تاريخ السفارات والبعثات الدبلوماسية المغربية المتبادلة مع القوى الأوروبية في العهد الحسني
.
