السلطان الحسن الأول بن محمد: مسارات الإصلاح والتوازنات السياسية للمخزن

 

السلطان الحسن الأول بن محمد
الصورة مصممة بالذكاء الاصطناعي بناء على صور الانترنت

تاريخ المغرب

ولد الأمير الحسن بن محمد في مدينة فاس عام 1836 م، ونشأ في بيئة سياسية وعسكرية معقدة طبعتها الهزائم العسكرية القاسية التي تلقاها المغرب أمام القوى الأوروبية، كانت معركة إيسلي ضد الاحتلال الفرنسي عام 1844 م، تلتها حرب تطوان ضد الإسبان عام 1860 م، بمثابة صدمة فكرية وسياسية عميقة نبهت السلطنة الشريفة إلى ضرورة التخلي عن العزلة وتبني سياسات تحديثية جادة لحماية سلامة أراضيها.

نشأ الأمير الحسن متأثرا بهذه الأوضاع، وتلقى تعليما دينيا وعلميا صارما انعكس على سلوكه وأخلاقه التي عرفت بالهدوء والرزانة والنزوع نحو التصوف والانضباط الأخلاقي، حيث ربي على مبدأ مجاهدة النفس والالتزام بالخلق الحسن كركيزة لإدارة شؤون الرعية وحفظ توازن الدولة.

يرتبط اسم السلطان الحسن الأول بن محمد بمرحلة دقيقة ومصيرية من تاريخ المغرب المعاصر، تميزت بالضغوط الاستعمارية المتزايدة ومحاولات الإصلاح الهيكلي الجريئة، ينتمي السلطان الحسن الأول إلى الأسرة العلوية الشريفة التي تحكم المغرب منذ القرن السابع عشر، ويمتد نسبه الشريف مباشرة إلى الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الحسن بن محمد الرابع بن عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله الخطيب بن إسماعيل بن الشريف بن علي بن محمد بن علي بن يوسف بن علي بن الحسن بن محمد بن الحسن الداخل.

تولي العرش وانتفاضة الدباغين بفاس عام 1873 م


توفي السلطان محمد الرابع في سبتمبر 1873 م، وكان الأمير الحسن حينها يقود حركية عسكرية لتهدئة قبائل حاحة في الجنوب التي كانت متمردة على قادتها المحليين، تلقى الأمير بيعة القبائل الجنوبية على الفور، ثم توجه إلى مراكش في العشرين من سبتمبر 1873 م ليتلقى وفود المبايعين من مختلف أرجاء الإيالة الشريفة، معلنا بداية عهده الذي استمر حتى عام 1894 م.


غير أن انتقال السلطة لم يمر دون عقبات داخلية؛ إذ واجه السلطان الجديد فور دخوله مدينة فاس انتفاضة اجتماعية خطيرة عرفت تاريخيا باسم "انتفاضة الدباغين" أو "عيطة بنيس"، اندلعت الشرارة الأولى لهذه الحركة الاحتجاجية، التي تزامنت مع شهر رمضان، بسبب قرار وزير المالية الجديد آنذاك، المدني بنيس، بفرض ضرائب جديدة على المعاملات التجارية وسوق الجلود تعرف بـ "المكوس"، وكان حرفيو ودباغو فاس قد اشترطوا لمبايعة السلطان إلغاء هذه المكوس غير الشرعية، معتبرين فرضها نكثا للعهود.


وتطورت الاحتجاجات سريعا إلى ثورة عمالية هاجم فيها الدباغون دار أمين الأمناء المدني بنيس وعمدوا إلى إحراقها ومحاولة تصفيته، واجه السلطان الحسن الأول هذه الثورة بحزم عسكري شديد لإعادة فرض هيبة المخزن واستقرار العاصمة، وقام بقمع الحركة وفرض عقوبات مالية وتنظيمية صارمة على أهل فاس، لخصت هذه الانتفاضة الصراع المستمر بين تطلعات الدولة لتمويل الإصلاحات وجبايتها وبين الرفض الشعبي والشرعي للضرائب غير المنصوص عليها في الأحكام الدينية التقليدية.


التدبير الإداري ونفوذ النخب العائلية في بلاط المخزن


تميزت البنية الإدارية والسياسية في عهد السلطان الحسن الأول بنظام دقيق اعتمد فيه على توازنات قبلية وعائلية شكلت العمود الفقري للمخزن، وكانت بعض الأسر البورجوازية والأرستقراطية تحتكر المناصب العليا في الوزارة والحجابة ورئاسة العسكر والمالية، مما جعلها تتوارث النفوذ والسيطرة العقارية.


برزت في هذه الحقبة أسرة "آل بن موسى" (الأسر البخارية) كواحدة من أكثر العائلات نفوذا، حيث تولى أفرادها مناصب الصدارة والوزارة والحجابة، وكان من بينهم الصدر الأعظم القوي أحمد بن موسى (با حماد) الذي لعب دورا محوريا كواصي على العرش بعد وفاة السلطان الحسن الأول، وإلى جانب آل بن موسى، برزت عائلات مخزنية أخرى ساهمت في تدبير الخزينة والسياسة الخارجية مثل عائلة بنجلون التي كانت في خدمة الدولة منذ عهد الحسن الأول، وعائلات بنسليمان، التازي، بنشقرون، بناني، وعائلة بنيس التي ارتبط اسم أحد أفرادها بالاضطرابات المالية لعام 1873 م، شكلت هذه العائلات شبكة مصالح معقدة تحكمت في مفاصل القرار المالي والإداري للبلاد.


الأزمة المالية واختلال النظام النقدي


واجه المخزن الحسني تحديات اقتصادية هيكلية ناتجة عن التغلغل التجاري الأوروبي واختلال النظام النقدي الجبائي،اعتمد الاقتصاد المغربي على تداول العملات الذهبية والفضية بجانب العملات النحاسية المحلية المنخفضة القيمة، واستغل التجار الأجانب هذا الوضع بطرح بضائعهم وتصدير الذهب والفضة المغربي إلى الخارج دون إعادة توظيفه داخليا، مما أدى إلى نزيف مستمر للمدخرات الثمينة.


أفرز هذا السلوك اختلالا ماليا كبيرا أدى إلى ندرة العملات القوية مثل "الدورو" الفضي والذهبي المسكوك في عهد السلطان الحسن الأول عام 1891 م، والذي اختفى تماما من الأسواق، واختفى كذلك الدورو المسكوك في عهد خلفه مولاي عبد العزيز عام 1895 م، وتفاقمت الأزمة بحلول عام 1900 م حيث فقدت العملة المغربية ما يناهز 15% من قيمتها مقارنة بـ "البسيطة الإسبانية" التي ارتبطت بها، والتي كانت بدورها قد فقدت من قيمتها مقارنة بالعملات الأوروبية الأخرى بسبب المتاعب السياسية المزمنة لإسبانيا، نتج عن هذا التدهور النقدي ارتفاع حاد في الأسعار وتذمر شعبي واسع، مما حد من قدرة المخزن على تمويل المشاريع التحديثية وجعله عرضة للاستدانة المرهقة من القوى الأوروبية.   

المشروع الإصلاحي العسكري والدبلوماسي والتعليمي


أدرك السلطان الحسن الأول أن مواجهة الأطماع الإمبريالية تقتضي تحديثا شاملا لمؤسسات الدولة العسكرية والتعليمية، فبادر إلى إطلاق إصلاحات عسكرية جذرية وإرسال بعثات تعليمية إلى الخارج لتمكين الكوادر المغربية من استيعاب التقنيات الحديثة.

الإصلاح العسكري وتأسيس دار الماكينة


ركز السلطان على مأسسة الجيش عبر تحويله من نموذج "جيش الحركات" القائم على المتطوعين القبليين إلى "جيش نظامي" محترف يتلقى تدريبات مستمرة ورواتب قارة، واستعان المخزن ببعثات عسكرية أجنبية فرنسية وبريطانية وإسبانية وإيطالية لتدريب المشاة والمدفعية، كما بادر السلطان بشراء مدافع وبنادق حديثة من معامل "كروب" بألمانيا ومعامل "مارتيني هنري" ببريطانيا.


وللحد من الارتهان التكنولوجي للخارج، أمر السلطان بتأسيس مصنع متطور للأسلحة والذخيرة بمدينة فاس عرف بـ "دار السلاح" أو "دار الماكينة"، شيد هذا المصنع الفخم بمدخل مشوار فاس يمين باب الساكمة بين عامي 1305 و 1308 هـ (1885 - 1888 م) بإشراف المهندس الإيطالي "لوطري"، وافتتح رسميا عام 1309 هـ بمهرجان عظيم،ورغم العقبات والديون التي فرضها الملحق الفرنسي السري لوأد هذا الطموح، مثلت دار الماكينة خطوة بارزة نحو تحقيق السيادة التكنولوجية العسكرية للمغرب. كما بادر السلطان بتأمين السواحل عبر تحديث الأسطول البحري واقتناء سفن بخارية عسكرية جديدة لحماية الموانئ من التدخلات الأوروبية والقرصنة. 


التوازن الدبلوماسي والعلاقة مع ألمانيا


شهد عهد السلطان الحسن الأول تحولا مهما في تمثل المغاربة للقوى الدولية؛ فبعد انتصار ألمانيا على فرنسا في معركة "سيدان"، سعى المخزن إلى التقارب مع برلين كقوة صاعدة لموازنة الضغوط الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، أرسل السلطان سفارات مغربية متعددة إلى العواصم الأوروبية، من أبرزها السفارة التي ترأسها سيدي الطيبي بنهيمة إلى برلين عام 1878م وحظيت باستقبال حافل من طرف المستشار الألماني بيسمارك، كما اتبع السلطان "دبلوماسية المداراة" والملاطفة مع دول مثل هولندا لضمان استمرارية العلاقات التجارية وتحصيل امتيازات تفضيلية في المراسي المغربية.


البعثات التعليمية وتحديث العقل المغربي


تعتبر البعثات التعليمية إلى الخارج إحدى أبرز ميزات العصر الحسني، بادر السلطان بإرسال بعثات طلابية إلى بلدان أوروبية مثل فرنسا (مدينة مونبلييه عام 1885 م)، وإيطاليا (تورينو عام 1888 م)، وإنجلترا، وجبل طارق، كان الهدف تكوين نخبة وطنية تتقن العلوم العصرية واللغات الأجنبية كأداة للمفاوضة والحوار الدولي.


شملت المناهج الدراسية الموجهة للطلاب طائفة واسعة من العلوم العصرية والتقليدية المنظمة في جدول علمي دقيق:

حقول المعرفة العصريةعلوم الآلات والتطبيقعلوم المنطق والأدب واللغات
علم الرياضيات: الحساب والهندسة

التقنيات الحربية: المدفعية وعلم البحر والمكينة

علوم اللغات: الفرنسية والإيطالية والإنجليزية

علم الفلك والنجوم: التوقيت وحركة الأفلاك

صناعة الساعات: آلة "المنجانة الساعاتية" ذات الشعاع والظل

صناعة الأدب والجدل: الخطابة، البرهان، والمناظرة

علم الكيمياء والطب: تركيب المواد والعلاج

علم الهندسة المعمارية: تخطيط الحصون والقنوات والموانئ

العلوم القانونية والإدارية: المعاهدات والقوانين الدولية


بالتوازي مع هذه البعثات، اهتم السلطان بإصلاح التعليم التقليدي داخل جامعة القرويين بفاس؛ فأدخل تدريس بعض العلوم الحديثة مثل الرياضيات والفلك والهندسة، ودعم الطلاب والعلماء لربط المعارف العصرية بالأصول التقليدية، غير أن هذه التجربة الطموحة اصطدمت بالفشل والإجهاض لعدة عوامل؛ من أبرزها معارضة الفقهاء والأوساط التقليدية المحافظة التي وصفت الخريجين بأوصاف منفرة وحاربت أفكارهم، إلى جانب إهمال الإدارة المخزنية لهؤلاء الأطر بعد عودتهم وتعيينهم في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم، ناهيك عن الضغوط الأجنبية المستمرة لتوجيه هذه البعثات لخدمة مصالحها الخاصة.

حركات السلطان الميدانية وتثبيت السيادة الترابية


عرف السلطان الحسن الأول بحركاته العسكرية الميدانية المستمرة التي جاب خلالها المغرب طولا وعرضا طيلة عشرين عاما، حتى لقب بـ "السلطان الذي كان عرشه على ظهر جواده"، كانت هذه الحركات أداة أساسية لفرض سيادة الدولة، وإخضاع القبائل الثائرة، وجمع الضرائب، وحماية الثغور من الأطماع الأوروبية.


حملات إخضاع الأطلس وتادلا


قاد السلطان حملات عسكرية متعددة نجح من خلالها في إخضاع العديد من القبائل المتمردة وتأمين طرق القوافل التجارية، ففي سنة 1305 هـ (1888 م)، تمكن السلطان من إخضاع قبائل زايان، وبني مكيلد، وشقيرين، وآيت سخمان، وآيت سري، كما أخضع قبائل السهل والمناطق المجاورة مثل بني عمير، وبني موسى، وآيت عتاب، مستخدما إستراتيجية عسكرية دقيقة اعتمدت على جمع المعلومات الجغرافية، واستغلال العوامل الطبيعية والتضاريس الوعرة للتضييق على المتمردين.


السيادة على الأقاليم الجنوبية ووادي نون


شكلت سواحل المغرب الجنوبية مسرحا لمنافسة حامية بين الأساطيل والبعثات الاستكشافية الأوروبية التي سعت إلى بناء مستودعات تجارية والاتصال بشيوخ القبائل الصحراوية خارج سلطة المخزن، بادر السلطان الحسن الأول إلى تعزيز السيادة المغربية في الصحراء عبر اتخاذ خطوات حاسمة، حيث عين الشيخ ماء العينين نائبا سلطانيا على أقاليم الجنوب المغربي بموجب ظهير شريف مؤرخ في 12 ربيع الثاني 1296 هـ (1879 م).


وعندما تناهى إلى علم السلطان أن تجارا بريطانيين يقودهم التاجر " جيمس كورتيس" قد شرعوا في تشييد مركز تجاري بطرفاية والبيع والشراء مع القبائل المحلية، نهض السلطان بنفسه لحسم هذا الفساد، قاد السلطان حركة كبرى إلى سوس عام 1882 م مرورا بشيشاوة، وحاحة، وأكادير، وتيزنيت، وأكلو، حيث استقبل وفود قبائل آيت باعمران وقبائل تكنة، ووجه كتيبة من جيشه إلى مرسى طرفاية قامت بطمس معالم المركز التجاري البريطاني وطرد النصارى إلى سفنهم، وظل النزاع قائما حتى أبرمت المعاهدة "الأنجلو- مغربية" في 13 مارس 1895م، والتي اعترفت فيها بريطانيا صراحة بسيادة المغرب على الأراضي الممتدة من وادي درعة إلى رأس بوجدور في الساقية الحمراء، مؤكدة أن هذه المناطق تابعة لسيادة الإيالة الشريفة.


مؤتمر مدريد 1880 م وفشل إصلاح ضريبة الترتيب


مثلت قضية "الحماية القنصلية" إحدى أخطر الآليات التي استخدمتها القوى الاستعمارية لتفكيك السيادة المغربية من الداخل، فقد تمتع الرعايا المغاربة المحميون من قبل القناصل والتجار الأجانب بحصانة قضائية تامة وإعفاء كامل من أداء الضرائب للمخزن، مما أدى إلى حرمان الخزينة من مواردها الأساسية وإضعاف سلطة القضاء الشرعي.


ولعلاج هذه المعضلة السيادية، دعا السلطان الحسن الأول الدول الأوروبية لعقد مؤتمر دولي في مدريد عام 1880 م لإعادة تنظيم وتحديد صلاحيات الحماية القنصلية، غير أن المؤتمر أسفر عن نتائج عكسية تماما؛ إذ استغلت الدول الأوروبية هذا المنبر لتكريس وتوسيع نطاق الحمايات الفردية وتحويلها إلى أداة تغلغل جماعي مقننة بموجب اتفاقيات دولية، كما طرحت خلال أشغال المؤتمر قضايا تمس بالبنية العقدية والسيادية للمغرب مثل مسألة "حرية التدين والعقيدة" والمساواة من منظور غربي، وهي مشاريع واجهها السلطان والعلماء بالرفض المطلق لمنع أي مساس بالشريعة الإسلامية.

أجبر هذا الإخفاق الدبلوماسي المخزن على البحث عن بدائل لتمويل الإصلاحات العسكرية، فقرر السلطان، بمشورة كبار موظفيه مثل محمد الجباص، صياغة إصلاح ضريبي شامل عرف بـ "ضريبة الترتيب" عام 1884 م، قضى هذا القانون الجديد بإلغاء الضرائب والزكوات التقليدية واستبدالها بضريبة مباشرة وموحدة تفرض على الثروات الفلاحية والمواشي، وتعمم على جميع القبائل والفئات الاجتماعية بما في ذلك المحميون والأعيان، غير أن مشروع "الترتيب الحسني" اصطدم بمعارضة شديدة أدت إلى وأده وإفشاله، عارض عدد كبير من العلماء والفقهاء هذه الضريبة واعتبروها ضريبة "وضعية" مخالفة للشرع الإسلامي وتملصوا من الإفتاء بجوازها، كما حرض المستفيدون من النظام الجبائي القديم والتجار والمحميون الأجانب ضدها، وتواطأت الصحافة والوكلاء الفرنسيون لإفشال تنزيلها لإبقاء المخزن في حالة عجز مالي دائم، مما أدى في النهاية إلى إلغاء العمل بالضريبة وتعميق الأزمة المالية للخزينة الشريفة.

الموت المفاجئ في تادلا وحيلة الكتمان السياسي عام 1894 م

تعتبر تفاصيل وفاة السلطان الحسن الأول وكيفية تدبير انتقال العرش من أكثر اللحظات إثارة وحنكة سياسية في التاريخ المغربي الحديث، ففي أواخر ربيع عام 1894 م، عاد السلطان من حملة عسكرية شاقة وتوجه على رأس حركته العسكرية نحو منطقة تادلا لتأمين المسالك وإخضاع بعض بؤر التمترس القبلي، وفي الطريق، ألمت بالسلطان وعكة صحية مفاجئة وشديدة لم يمهله الموت معها سوى ساعات قليلة.


توفي السلطان الحسن الأول في الساعة الحادية عشرة من ليلة الخميس 3 ذي الحجة 1311 هـ (الموافق 6 يونيو 1894 م) على مقربة من وادي العبيد من أرض تادلا، أدرك الصدر الأعظم والوزير الأكبر با حماد خطورة الموقف؛ فالجيش والمخزن متواجدون في وسط قبائل غير آمنة ومتمردة، وإعلان وفاة السلطان في تلك اللحظة سيتسبب في تشتت العسكر ونهب المحلة المخزنية ودخول البلاد في فتنة عمياء.


لجأ با حماد إلى خطة سياسية ماكرة اتسمت بالحزم والسرية التامة، تظاهر بأن السلطان لا يزال حياً لكنه مريض وطالب بالراحة، وأقنع الدائرة الضيقة المباشرة من العبيد والحاشية بالكتمان، لفت جثة السلطان المتوفى في قماش أبيض ووضعت فوق هودجه وسريره المتنقل، وتم استعراض الجيش وتمرير الجثة الهامدة أمام الصفوف الطويلة للقوات وهي تتأرجح فوق أكتاف العبيد الذين كانوا يسيرون بخطوات عسكرية منتظمة، لم يلحظ الجنود والقبائل هذه الخدعة المروعة وظلوا يدعون بالشفاء لسيدهم.


استمرت هذه الرحلة الجنائزية الصامتة لمدة يومين كاملين حتى أصبحت المحلة المخزنية على مقربة من مدينة الرباط وفي مأمن من خطر التمرد القبلي، وعندها، أعلن با حماد رسميا وفاة السلطان الحسن الأول ونفذ خطة تتويج ابنه الأمير الشاب المولى عبد العزيز سلطانا جديدا للبلاد، وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وبايع الجيش والقبائل السلطان الجديد الذي استمر عهده تحت الوصاية الفعلية والصارمة لباحماد حتى عام 1900 م، لتنتهي بوفاة الحسن الأول حقبة "المغرب العتيق" وتبدأ مرحلة التغلغل الاستعماري المباشر الذي أفضى إلى فرض الحماية عام 1912 م.


المصادر والمراجع المستنبطة


تستند المعلومات والبيانات الواردة في هذه الترجمة المنقحة للسلطان الحسن الأول بن محمد إلى أمهات الكتب التاريخية والوثائق المخزنية والدراسات الأكاديمية المتخصصة التالية:


  1. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (الجزء التاسع) - تأليف المؤرخ الشهاب أحمد بن خالد الناصري السلاوي؛ وهو المصدر المعاصر الرئيس الذي وثق أحداث العصر الحسني وسفاراته وحركاته العسكرية بالتفصيل. 

  2. إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس (الأجزاء الثاني والثالث والخامس) - تأليف المؤرخ النسابة عبد الرحمن بن زيدان؛ ويعد المرجع الأهم في نقل رسائل السلطان وظهائره الشريفة ومراسلاته مع الأمناء والسفراء.

  3. الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة - تأليف المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان؛ وفيه تفصيل النظم المخزنية وبناء القصور والمنشآت العسكرية والبعثات في فاس.

  4. العز والصولة في معالم نظم الدولة (الجزء الثاني) - تأليف عبد الرحمن بن زيدان؛ ويبحث في تطور التنظيمات الإدارية والعسكرية في عهد السلطان الحسن الأول.

  5. مظاهر يقظة المغرب الحديث (الجزء الأول) - تأليف المؤرخ الفقيه محمد بن عبد الهادي المنوني؛ وهو المرجع المعتمد لتتبع تاريخ تأسيس دار الماكينة والبعثات التعليمية وإصلاح التعليم بجامعة القرويين.

  6. الأمناء بالمغرب في عهد السلطان الحسن الأول - دراسة أكاديمية متخصصة للباحثة نعيمة هراج التوزاني (سلسلة رسائل وأطروحات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط)؛ وتبحث في البنية المالية وتدبير الموانئ والجمارك والنظام الجبائي في العصر الحسني.

  7. البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن - تأليف الدكتور جمال حيمر (منشورات الزمن)؛ ويقدم تقييماً شاملاً لنتائج البعثات الطلابية المغربية الموفدة إلى أوروبا وأسباب تعثرها.

  8. الإصلاحات العسكرية بالمغرب 1844-1912 - تأليف الدكتورة بهيجة سيمو (منشورات اللجنة المغربية للتاريخ العسكري)؛ وتكشف تفاصيل تحديث هياكل الجيش واقتناء الأسلحة وتأسيس المعامل الحربية.   

  9. المغرب في عهد السلطان حسن الأول - تأليف المؤرخ محمد العربي معريش؛ وهو مرجع تاريخي عام يبحث في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغرب خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.   

  10. تاريخ الدبلوماسية المغربية - تأليف المؤرخ الدبلوماسي الدكتور عبد الهادي التازي؛ ويوثق تاريخ السفارات والبعثات الدبلوماسية المغربية المتبادلة مع القوى الأوروبية في العهد الحسني.

إرسال تعليق

أحدث أقدم