صفحات من كتاب إسرائيل في المغرب (1907) - ج.5

كتاب إسرائيل في المغرب


تاريخ المغرب

إذا دخلت مباشرة الى هذا الرابط نخبرك انه تم نشر هذا الكتابة بشكل مجزأ يمكنك الرجوع الى الاجزاء الأولى عبر الرابط التالي "اضغط هنا"

 الفصل الخامس

المجتمع لدى اليهود المغاربة

وهكذا، وفقا للمؤلفين، وحتى أكثرهم اعتدالا وتحفظا، أولئك الذين ينشرون ــ على سبيل المثال ــ ملاحظات سفرهم في مجلة "حول العالم" (Le Tour du Monde)، مثل السيد "مونتيل" (M. Montel)، فإن المذلة التي عاشت فيها "إسرائيل" [اليهود] في المغرب كان من شأنها أن تؤدي إلى الحط من قدر هذا العرق وتثبيطه، وتنمية كل الغرائز والرذائل التي تتسم بها الشعوب المهانة والمستضعفة.

وفي أذهان الأوروبيين، أصبحت فكرة اليهود المغاربة مرتبطة بفكرة الرذائل الدنيئة والغرائز المنحطة، وحتى عندما يدور الحديث عن مجتمع يهودي متحرر، ثري، مهذب، ومثقف، كمجتمع طنجة ــ الذي حافظ على دينه ولكنه يتطور نحو عادات وتقاليد الحضارة الأوروبية ــ يصر البعض على عدم رؤية هذا المجتمع إلا من خلال ما سأسميه "منشور ماضيه".

إن قوانين الوراثة (الأتافيزم/النزوع الأبوي) تحكم تطور الجماعات البشرية في كل مكان، وأعلم أن صرامتها واحدة في شتى البقاع، غير أنه من الضروري أيضا معرفة أن هذه القوانين عديدة جدا، وأن تعقيداتها لا حصر لها، وأن أثرها يتغير بتغير تفاعل قوانين أخرى كثيرة معها، وعندما نناقش هذا الموضوع، يكون من المفيد دائما إعادة قراءة صفحة شهيرة تقول:

"نرى بعض الحيوانات الضارية، ذكورا وإناثا، منتشرة في الريف، سودا، شاحبي الوجوه، عراة، وقد حرقتهم الشمس تماما، ملتصقين بالأرض التي ينبشونها ويقلبونها بإصرار وعناد لا يقهر، ولهم ما يشبه الصوت المفصل (الكلام)، وعندما يقفون على أقدامهم، يظهرون وجها بشريا، وهم في الحقيقة بشر؛ يلوذون في الليل بجحورهم، حيث يعيشون على الخبز الأسود، واللحاء، والجذور". 

بهذه العبارات، كان "لا برويير" (La Bruyère) يصف فلاح فرنسا في زمن السادة الإقطاعيين والملك العظيم (لويس الرابع عشر)، ذاك الفلاح أيضا كان خنوعا، بل كان عبدا مملوكا للأرض (قنا)، كان يزحف هو الآخر أمام سيده، وعندما كان خدم السيد يركلونه مؤخرته، كان عليه بعد أن ينكفئ على وجهه أن يقول "شكرا"، وإذا ما اتفقت المصادفة وأن التفت أحد رجال القصر إلى زوجته أو ابنته، كان يعد ذلك شرفا عظيما له، باختصار، لقد كان في جحره هذا يتلقى من سيده معاملة أسوأ وأقسى مما يتلقاه اليهودي المغربي في الملاح من قائده.
فكروا الآن في الدور الذي لعبه أبناء ذلك "الحيوان" الذي وصفه "لا برويير" في المجتمع الفرنسي، وأعتقد أن هذا سيجبركم على القبول ــ دون ابتسامة سخرية عريضة ــ بوجود مجتمع يهودي (راق) في طنجة.
وإنني أكتب "دون ابتسامة سخرية عريضة" لأننا بكل تأكيد، هناك كما في أي مكان آخر، من يريد البحث عن مادة للتهكم والسخرية فسيجدها بسهولة تامة، ورسوماتي تثبت ذلك.
وقبل كل شيء، أرجو ألا يلومني أحد على حس الدعابة لدي، ولا على صراحتي، فاليهود المنتسبون لـ "الاتحاد الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israélite) أنفسهم، تكون لهم أحيانا تجاه بني جلدتهم في الدين من يهود المغرب ــ سواء من الطبقة الراقية أو من عامة الشعب ــ تماما كأولئك الأشخاص الذين يطمحون إلى العيش بكبرياء، والواقع أن اليهود المحميين والمُجنسين، أولئك الذين يَعُدُّون أنفسهم ــ ويجب علينا تصديقهم ــ من الطبقة الراقية في طنجة، لا يطمحون إلى العيش فحسب، بل إلى العيش بأفضل طريقة ممكنة، وبلا شك، فإن هذا الطموح يثير حفيظة المغاربة من الحرس القديم، الذين يتملّكهم اليأس لأنهم لم يعودوا قادرين ــ كما كان الحال في الأيام الخوالي الجميلة ــ على شد شعرهم، أو البصق في عيونهم، أو ضربهم بالعصي، ولا غرو أن هؤلاء المغاربة الأخيار ليسوا على خطأ تماما في حسرتهم على ذلك الزمن السعيد الذي لم تكن فيه مثل هذه التسليات على حساب اليهودي تكلف شيئا، والذي كان المرء يحصل فيه فوق ذلك، عندما تكون زوجة اليهودي أو ابنته جميلة، على متعة الاستمتاع بها دون أن يدفع مقابل ذلك ثمنا أغلى، ولكن، لا بد للمرء أن يعترف بأن اليهودي المذكور ليس على خطأ هو الآخر في تفضيله لزمن اليوم على ذاك الزمن؛ الزمن الحالي الذي يتيح له، في طنجة على أقل تقدير، أن يعيش بحرية تامة كالمسيحيين الوافدين من شتى الأمم، وأن يعيش فيه وفقا لطموحاته وتطلعاته.

ورغم أنهم لا يملكون الأسباب ذاتها التي تجعل المغاربة يشعرون بالانزعاج من هذا الأمر، فإن الكثير من المسيحيين لا يبدون سوى نصف راضين عن هذا الوضع.

فهل يعود ذلك إلى أنه بفضل القشرة الخفيفة من الحضارة، التي تسمح بالخلط بينهم وبين الجاليات المسيحية، استطاع اليهود، بفضل العمل الدؤوب أن يضيفوا إليها قشرة سميكة من الثراء والترف تجعل أي خلط بينهم وبين الآخرين أمرا مستحيلا؟ ربما!

على أية حال، فإن يهود طنجة يفعلون كل ما يجعلهم متباهين بالترف، هذا الامر كان بالتأكيد سيثير استياء حكماء أجدادهم، إذ لم يكن ينبغي لهم أن يشقوا إلا من أجل الحصول على مقومات الحياة الضرورية وحسب حاجة الساعة، لقد جاء في الكتاب المقدس:

"خَيْرٌ لِلصِّدِّيقِ الْقَلِيلُ"

لكن القليل لا يكفيهم أبدا، وهم يشقون للحصول على أشياء كثيرة ليست من ضروريات الحياة في شيء، ولا يهمهم كثيرا أن يستحقوا لقب "حاسيد" (Hacid/الورع) أو "حاخام" (Hackham/الحكيم)، ولا لقب المتواضع والعاقل، بل يفضلون عليه لقب الغني، ونساءهم على وجه الخصوص! إياكم أن تقولوا لهن إن الطريق القويم لا يقتصر على الاحتشام فحسب، بل يتطلب أيضا التواضع.

ولهذا السبب قيل في حق موسى إنه كان شديد التواضع. كما يأمرنا حكماؤنا: "كن متواضعاً جداً". والواقع أنكم لو فعلتم ذلك، لقوبلتم برفض واستهجان شديدين، تماماً كما لو ذهبتم لترديد كلام موسى في صالونات اليهود بباريس أو فيينا أو لندن.

ولكنني أخطأت عندما كتبت "برفض واستهجان شديدين"، لأن اليهوديات في طنجة لم يمر على عهدهن بالكبرياء والخيلاء زمن طويل كحال يهوديات لندن أو باريس أو فيينا، ولذا، سيكنّ أكثر تسامحا مع سذاجتكم، ولن يجدن في هذه الدعابة مبالغة كبرى إلا إذا استشهدتم أمامهن بتلك الكلمات الأخرى للحكيم:

"الرجال الصالحون يُظلَمون ولا يَظلِمون، ويستمعون إلى الإهانات دون أن يردوا عليها، ويفعلون كل شيء بمحبة، ويتقبلون الابتلاءات برضا".

لأنكم تعلمون جيدا ما كانت تعنيه الابتلاءات في البلاد المغربية، وتدركون كم ترتعد النساء خوفا من احتمال تكرار ما يمكن أن يحدث حتى اليوم، ألم تكن أحداث نهب الدار البيضاء بالأمس القريب! وفي مثل هذه الأزمات، لا تسلم أي عائلة يهودية، فالنساء الثريات ونساء الطبقة الراقية يلقين المصير ذاته الذي تلاقيه نساء عامة الشعب، وعندما تضرب همجية الاضطهاد "إسرائيل" [اليهود]، من يعاني أكثر من غيره؟ بلا شك، إنهن النساء، فالرجال يقتلون على الفور؛ وحتى إنِ اُدُّخروا للتعذيب، فإن الموت لا يتأخر في نهاية المطاف في تخليصهم.

وعندما كان بطش فرسان (تنانين) السيد "دي فيلار" (M. de Villars) ينشر "الكلمة الطيبة" لـ "بوسويه" ــ ذاك الرجل القديس! ــ في منطقة "السيفين" (Cévennes)، مَن كان يعاني أكثر؟ النساء، والأمر سيان في المغرب، حيث يمتلك فرسان القبائل وجنود المخزن العقلية والروح ذاتها التي كان يمتلكها فرسان "فيلار"...

لذلك، كان من الطبيعي أن يكون السعي نحو الانعتاق والتحرر فرضا أصرت عليه المرأة اليهودية على زوجها بكل ثبات، ومن الطبيعي أيضا، في الطبقات التي تمكنت بالفعل من تحقيق هذا التحرر، أن تزهو المرأة به وتفخر، بل وتفرط في كبريائها هذا، وإن كان هذا الكبرياء يجعلنا نبتسم أحيانا، وإن كان الرسام يجد مدعاة للتسلية والطرافة في ملابسهن المسايرة لأحدث صيحات الموضة، وزينات العشيقات المتكلفة، والقبعات المزينة بالريش، ومشدات الخصر المستقيمة، والجوارب الحريرية، والأحذية الصغيرة للأمهات، والتنانير القصيرة جدا للفتيات الصغيرات، وإن كنا نمزح بشأن ذلك كله، فإن هذا لا ينبغي أن ينسينا ما اتصفت به المرأة اليهودية من طاقة مذهلة، وإرادة صبورة، ونبل نفس، في هذا السعي الطويل والأليم الذي قادها في نهاية المطاف، من أحياء "الغيتو" (الملاح) حيث لم تكن ترغب في البقاء، إلى فيلات حي "الشان" (المرشان بطنجة) حيث كانت تطمح إلى الذهاب.

لقد رأى "أوسكار لينز" (Oscar Lenz) بوضوح هذه الرغبة وهذه الإرادة لدى النساء اليهوديات في المغرب عندما قال عنهن قبل أربعين عاما:

"إنهن ينظرن بفضول وود إلى الغريب القادم من الشمال، ببريق رطب في عيونهن الكبيرة، ويهمسن في آذان بعضهن البعض بأن (الرومي) قادم من بلاد لم يعتد فيها اليهود المشي حفاة الأقدام، بل على العكس من ذلك، يمتلكون فيها أجمل القصور، وأثمن الخيول والعربات"

نعم، لقد كان وضعهن يثقل كاهلهن، وأردن تغييره، عندما تحظى المرأة بشرف كونها زوجة لمراسل كبريات الصحف الباريسية، فإن عليها أن تتقن مواكبة أحدث صيحات الموضة.

ومهما يكن من إعجاب بعض الرحالة، مثل "شيكلر" (Schikler) عام 1860، ببيوتهم ومجالسهم وأزيائهم... فإن "شيكلر" يظل من القلائل النادرين من الرحالة الذين رأوا اليهودي المغربي في مظهر سار وإيجابي.

فقد كتب يصف بيته:

 "فناء صغير مربع الشكل، وغرف واسعة، ومرايا صغيرة عديدة مزينة بالنحاس المذهب، ومدرسة يهودية بالقرب من البيت حيث يردد الأطفال دروسهم منشدين في كورال جماعي، وانطباع عام بالنظافة والانتعاش؛ تلك هي الذكريات التي حملتها معي عن ذلك المكان".

وقال عن إحدى الحفلات:

 "إنه تجمع لسيدات يهوديات تبرز زينتهن الفاخرة جمالهن، إحداهن، تضع عمامة زرقاء مذهبة وترتدي سترة زرقاء مذهبة فوق تنورة حمراء طويلة؛ وأخرى تتشح بكاملها باللون الأحمر الموشى بالذهب؛ وثالثة باللون البنفسجي مع وشاح أزرق داكن يغطي شعرها بالكامل. 

مجوهراتهن باهرة، ولا سيما أقراط الأذن ومشابك الشعر، وتتحلق حول خصورهن الرشيقة أحزمة طويلة ولامعة، ومن حين لآخر، وبعد إلحاح ورجاء شديدين، يتيسر إقناع إحداهن من الفتيات بالرقص، وهي رقصة ذات خطوات بطيئة ووقورة، تضع إحدى يديها على وركها وتهز جسدها بقوة، ثم تلوّح بيديها معا بمنديل بينهما، وتدور ببطء حول نفسها عدة مرات، وتنتهي الرقصة بانحناءة تحية، وتعود السيدات إلى بيوتهن، تتبعهن جارية (أو أَمَة).»

 لقد كانت لديهن جوار، لكنهن أنفسهن كن أسيرات مستعبدات أيضا.

ولا تتهموا هذا الرحالة بأنه وقع ضحية وهم أو سراب حين استهواه لطف وجمال وبهاء هذا الجمع من السيدات اليهوديات المغربيات بأزيائهن التقليدية، وفي فناء مسكن حافظ على سحر هذا الأسلوب المعماري الذي اهتدى إليه الساميون ليضفوا به الأناقة حتى على أفقر البيوت، فأنا أيضا رأيت هذا... بل إن ما يجعل قلمي (أو ريشتي) قاسيا أحيانا تجاه الذوق الرديء للمتحررات، هو أنني لا أغفر لهن أبدا تخليهن عن أزياء جداتهن التي كانت في غاية الجمال، وعن هندسة بيوتهن القديمة التي كانت تفيض بالنعومة والسحر، لكي يتبنين تقليدا مشوها وبشعا لموضاتنا، وذلك الأسلوب الفظيع لـ "الفيلات" ــ إن كان يصح تسميته أسلوبا! ــ الشبيه بفيلات ضواحينا القبيحة.

«ولكن ما العمل! ألم يعتقدْنَ، بتصرفهن هذا، أنهن يدخلن بشكل أكمل في أتون هذه الحضارة التي كان يعاب عليهن عدم قبولها؟ ثم ألم تكن هناك التجارة، تجارتنا نحن، التي يتوجب حث عجلة دورانها؟

دعوني أستغل هذه المناسبة لكي أحسم في معترض الكلام، وبكلمة واحدة، قضية في غاية الأهمية:

يجب على الشعوب أن تتطور في إطار حضارتها هي، لا في حضارة غيرها، لقد كانت لليهودي المغربي حضارته الخاصة التي كانت نتاجا لعرقه وللبيئة التي تدور فيها عجلة مصيره، وكان عليه أن يطورها سياسيا وأن يصبح حرا، ولكن مع البقاء في إطارها وليس بمحاولة الخروج منها، فمن خلال تطوير طابعه الخاص، كان بمقدوره أن يكتسب شخصية متميزة وجميلة، أما بمحاولته ارتداء الثياب الأوروبية المستعملة (المستعارة)، فإنه يقدم صورة كاريكاتيرية... غير أنه لم يفهم ذلك، كما أن معلميه ومربيه لم يفهموه بدورهم، وإذن... فمن غير اللائق بحق أن نلوم نساءه...

غير أنه... ورغم كل شيء... لو أردْنَ فقط أن يفهمْنَ إلى أي حد تبدو قبعاتنا المزينة بالريش والأشرطة والزهور مروعة وبشعة في طنجة تحت هذا الضوء الأفريقي الساطع والحيوي، في حين أن مناديل الحرير الفاخر، بألوانها الغنية وثناياها ذات التناسق المرن، تفيض بكل هذا القدر من السحر والجمال، وكم يأسف رجل الذوق السليم وهو يراهنّ مُكَبَّلاتٍ، مَشْدُودات، مُحَصَّرات، وَمَخْنُوقات في فساتينهنّ ذات المشدّات (الكرسيهات)، فيحن إلى القمصان والسترات العتيقة، حيث كانت تطريزات الذهب تتألق فوق المخمل، وإلى التونيكات الفسيحة والأوشحة التي كانت تضفي على جلال الأمهات هيبة، وعلى رشاقة العذارى مرونة موجية وسحرية أخّاذة.

غير أن هذا كله ليس سوى حسرات جوفاء، وتوافهَ وحُليّ لا قيمة لها... وتلك مسألة تخص رسوماتي التي ستوضّح في الأجزاء التالية من هذا الفصل هذا العيبَ الخفيف لـ مجتمع اليهود في طنجة الساعي باجتهاد ليصير أوروبيا بالكامل.

في الماضي، كانت السيدة اليهودية إسبانية الهوى، وتؤكد ذلك بارتداء وشاح "المانتيلا" التقليدي، أما الآن فقد جاءت الموضة الألمانية، وأصبحت هي نموذج "امرأة المجتمع الرفيع"؛ فلئن صار الجمال أكثر استعلاء، إلا أنه ظل يتسم بالثقل والضخامة، وحين رأت القديمات كل القادمات الجدد مشدودات ومربوطات كأنهن فرسان صفيح بحُليّ بيضاء، سارعن إلى تقليدهن.

ويا لها من مآس ودراما ناجمة عن ذلك! إذ يتجلى ذكاء المرأة اليهودية في الإصرار على جعل "الوعاء أصغر من المظروف" [تضييق الملابس على الجسد]، أما بالنسبة للصدر، فالأمر يهون... فمع حشوه جيدا وتحمّل القليل من الألم، يتأتى المرء إلى تحقيق مراده، ولكن المأساة الحقيقية تكمن في القدمين! فعندما تكونان واسعتين وعريضتين وتفرض الموضة «...تفرض الحذاء الخفيف المدبب (الإسكاربان)، فإن الأمر يستحيل إلى دراما ودموع، فالمرء يلزمه أن يعرف كيف يتألم، يا عزيزتي، لكي يكون جميلا!

والمرأة حريصة كل الحرص على أن تكون جميلة، في عين الغريب كما في عيون الأصدقاء، ولذا يتبادلن الزيارات الجارة للجارة؛ إذ لا بد من ذلك لاستعراض الملابس والفساتين الفاخرة، كما يذهبن إلى السهرات والحفلات؛ ألسن من أبناء "المجتمع الرفيع"؟ وهل يكتمل المجتمع الرفيع دون سهرات وأمسيات يُعزف فيها لموسيقى "فاغنر" على البيانو؟ وفي البيوت العريقة، وفي الصالونات التي تحدد الذوق العام، وللحفاظ على الريادة الاجتماعية، يُصلح الحاضرون للغناء أيضا، بل ويغنون الموسيقى فائقة الحداثة!

وفي المقابل، فإن كبار السن والأجداد ــ الذين يتمنى المرء لو لم يكونوا حاضرين، لكنه مضطر لتحمل وجودهم لأنهم في نهاية المطاف رؤساء العائلة... ومصدر المال ــ يشعرون بملل وجمود طقوسي، إنهم يحنون إلى اللقاءات اليهودية الحقيقية؛ تلك التي كانت ترقص فيها الفتيات الحسان، وحيث لم تكن النساء يكثرن من الثرثرة، وحيث كان البيانو أداة مجهولة، لكن الموسيقيين من أبناء جلدتهم كانوا يرافقون، باستخدام الطنبور (Mandore) والربابة (Rebec) وتلك الآلات القديمة جدا ذات العذوبة والانسجام، إما أغاني الحب العذبة وإما مقاطع الفكاهة الحية، تلك "البيسمونيم" (Pismonin) اللطيفة، المبهجة، المرحة والمسلية جدا...

فمن ذا الذي يلوم أولئك الشيوخ الأخيار إذا ما غلبهم النوم، أو إذا ما اختاروا ــ لكي يظلوا مستيقظين ــ لسان حالهم يقول: "لو أن السيد "دي روتشيلد" يمنح قطرة ماء، لرأينا مجددا الأيام الجميلة للملك داود، وفي انتظار ذلك، لنتغنّ بأغنية (على ضفاف أنهار المغرب) مستيقظين، أن يحكّوا أقدامهم، بينما الشابة الحسناء التي تكاد تخنقها مشدّات خصرها تقوقي بمهارة أريات "بوتشيني" (Puccini) برفقة الشاب الذي لم يهضم بعد المياه التي شربها في منتجع "فيشي" في الموسم الماضي.

ولحسن حظ أولئك الشيوخ، ما زالت هناك دار أو داران لم تتخليا عن كل شيء من الماضي، صحيح أن الشباب فيهما قد اتخذوا الأزياء الحديثة، لكنهم حافظوا على "قيثارة داود"، وما زال المنشدون (الجسبار / gisbars) القائمون على الترتيل قادرين هناك على الحلم بعظمة إسرائيل وهم يشدو أفروديتهم ومراميرهم.

وبهذه الطريقة يستطيعون أن ينسوا المشاهد المحزنة للنزهات على شاطئ البحر، أو سخافة جولات الركوب عند "رأس سبارتيل" (Cap Spartel)، حيث لا يذكّر الفرسان والفارسات على حمير "السوق" إلا من بعيد جدا بالهيئة الشامخة والمهيبة لأجدادهم في غرناطة.

ولكن كل هذا، أكرر، ليس سوى طفوليات ومجرد مواضيع لرسومات ساخرة.

وعن هذا المجتمع اليهودي في طنجة، الذي ما زال يبعث فينا الابتسام ــ إذ لم يعد من حقنا السخرية منه دون الوقوع في الظلم ــ يمكننا أن نفكر بواقعية وعقلانية في ما قرأته في صحيفة (المغرب الفرنسي / Le Maroc français):

"يحق للمرء أن يعلل النفس بالأمل في مستقبل باهر للجيال اليهودية القادمة. «...من تلك الأوساط التي تختلف فيها الأعراف والعادات اختلافاً كلياً عن بؤر بني جلدتهم الآخرين في المغرب. فالتجارة تُمارس هناك بضرورة أكبر من الحرص على الشرف والاستقامة. كما أن قواعد اللياقة واللباقة مراعاة فيها بشكل لا بأس به.

فالزوج مرتبط لمدى الحياة بزوجه التي، بفضل شخصيتها الأبية، تعرف كيف تفرض احترامها عليه، في حين تكنّ له كل التقدير والإخلاص. ويتميز الناس هناك بحس النظافة ومبادئ حفظ الصحة، حتى بين العائلات الفقيرة.

ولا عجب في ذلك؛ فقد قلتُ أعلاه: إن مفهوم حفظ الصحة والوقاية طالما وجد لدى "إسرائيل" [اليهود]. وقد لا يكون هو من اخترعه، لكنه كان من أوائل من وضعوا قواعده وشكّلوه. أليست هذه المبادئ موجودة في شريعته الدينية؟ وألم يكن لديه علماء طب وقاية مثل "ميمونيد" (ابن ميمون)، الذي تتوقع أحكامه وتنظم كل ما هو أساسي في الحياة، متعمقة حتى أضعف التفاصيل الدقيقة، ودون أن تنسى أبداً أن صحة الإنسان تعتمد اعتماداً مطلقاً على انتظام حياته المادية، وهي حياة حيوانية بالأساس، لا دخل للمشاعر الرقيقة للمثالية الخالصة في تنظيمها.

وحين ينظم "ابن ميمون" العلاقات الجنسية، يستنكر البعض ويُسدّون أنوفهم عندما يقرؤون «والبعض الآخر يذهب للغازلة والدعابة على طريق "رأس سبارتيل"، حيث يتنافس الفرسان والفارسات بحماس وشغف كبيرين وصاياه المتصلة بشرط التخلص من فضلات البطن وقضاء الحاجة. لكن، أليس كذلك؟ إن حسن التربية واللياقة لا يسمحان ببتة للأنشطة والحديث عن هذه الأمور المتعلقة بالبطن وكل ما يتبع بعملية الهضم، هذا صحيح.

ولذلك، والآن بعد أن أصبح الناس متحضرين للغاية ويحسبون أنفسهم ملائكة، أضحت التهابات الزائدة الدودية المؤسفة وغيرها من أمراض البطن غير القليلة الإزعاج تحصد من الضحايا في "المجتمع الرفيع" أكثر مما حصدته بربرية المغاربة قديما في أحياء "الملاح".

لقد كان "ابن ميمون" عالم حماية وصحة كبيرا؛ فقد كان يقول:

"على المرء أن يريق الماء أو يفرغ ما في جسده كلما شعر بالرغبة في ذلك" 

والامر يسري على المرأة أيضا... بطبيعة الحال، وها هي ذا اللياقة وقواعد الكياسة الأوروبية تعلم مسكينات طنجة عكس ذلك تماما! ومن الجليّ أن اتباع وصية حاخام مصر الكبير قد لا يبدو أحيانا أمرا راقيا في الصالونات الاجتماعية، فعندما يعبر فارس فقير، في المشاهد الثكنية التي يرويها "كورتيلين" (Courteline)، عن حاجته للانتياع لقانون الطبيعة، فإن ذلك يبعث على الضحك، أما في مجتمعات الطبقة الراقية، فإن مجرد الفكرة ذاتها تجعل الوجوه تحمر خجلا.


ومع ذلك، فقد قالها ابن ميمون:

"من يظل دائما في حالة راحة، ولا يمارس عمالا ولا ينجز إخراجات جسده في الوقت المطلوب، وكان بطنه مقبوضا (ممسكا)، فإنه حتى لو أكل أطعمة صحية وتصرف وفقا لقواعد الصحة، سيظل دائما عليلا وضعيفا".

ورغم أن كل الفيلات والمنازل الجديدة في طنجة تحتوي، على الطريقة الإنجليزية، على سبل الراحة الخاصة والضرورية، يبدو أن المجتمع اليهودي الشاب بدأ يصير عليلا وضعيفا بعض الشيء.

فليعد قراءة "ابن ميمون"، وليتبع شريعته كما كان أجداده يتبعونها بالتزام ديني في "الملاح"، فقد كانوا يتبعونها حقا، وهذه إحدى النتائج الغريبة لهذه الصحة المعوية الممارسة التي سمحت لهذه السلالة ألا تنقرض أو تموت، فبما أن المغاربة كانوا يمنعون اليهود من الخروج من "الملاح"... فإن ما لم يكن بمقدور المساكين احتفاظه في بيوتهم، جعل الشوارع تتسخ قليلا، وكل الرحالة يشهدون على ذلك بعبارات طريفة تعبر عن جرح مشاعرهم المرهفة، ولأن شوارع الملاح كانت كريهة الرائحة، بدلا من أن يبحثوا عن السبب، أعلنوا بصورة أستاذية (جازمة) أن اليهودي كائن حقير خسيس لأن رائحته كريهة... لكن ينبغي أن نتفاهم أولا حول هذا المعنى؛ فعندما يتعلق الأمر بهذه الأمور، أتذكر دائما ذلك الفلاح الطيب الذي قال، لدى امرأة أنيقة تفوح منها رائحة العطر بقوة: "أوتُنفقين كل هذه الأموال لتصلي إلى أن تفوح منك رائحة كريهة هكذا!".

ولأنني أنتمي قليلا إلى الريف والفلاحين، فإني أتأسل أنا أيضا عن أي الرائحتين أقل سوءاً: أهو الصالون المعطر لامرأة يهودية أنيقة، أم الشارع المتسخ لليهودي الفقير؟

وبالطبع، سيعود البعض لاتهامي بالتناقض، إذ ستُعدّ هذه الملاحظة الفظة بائسة ومضحكة، كأن يحتار المرء في التمييز بين الطيب والسيئ بين رائحتين تختلفان كل الاختلاف، والسيدة اليهودية الأنيقة التي قد تقرأ هذه الأسطر بالمصادفة ستتساءل بحسن نية عما إذا كنت أسخر من الناس... أو ما إذا كانت ضربة شمس قوية قد أصابت رأسي أثناء رحلاتي، ودون أن أرغب في الخوض في نقاش حول طبيعة الروائح ــ وهو ما قد يطول شرحه ــ أقول بسبيل البساطة: كلما نشر المرء حقيقة لم تستهلك بعد، يتهمونه بابتداع التناقضات، هكذا كان الأمر دائما، وأعتقد أنه سيظل كذلك دائما، ولذا فإن الملامة هينة على من يتعرض لها.

ولنعد إلى صالونات المجتمع اليهودي في طنجة، فهؤلاء السيدات من أوساط السلك الدبلوماسي وأوساط عالم الأعمال المسيحي، اللائي يتبخترن في أذيال تنانيرهن الكبرياء المزيف للأناقة الأوروبية المعتمدة والموثقة المصدر، يتهامسن بحديث لطيف ومفاده أن هذه الصالونات ليست سوى غرف "غيتو" جرى أثاثها وتأثيثها أخيرا.

وفي الحقيقة، ينطوي الأمر على شيء من هذا القبيل، فالمرأة اليهودية التي تملك المال تريد أثاثا، وتقتنيه بالفعل؛ وهو أثاث يتسم بالقبح، هذا أمر مفروغ منه.

لكن القليل الذي تملكه المرأة المسيحية هو من الطراز نفسه، وإن كان أقل ثراء، فطيور العبور السريعة في السلك الدبلوماسي تحط كالطيور ولا تبني أعشاشا؛ إذ لا يستقر بهم المقام، ليبقى أثاثهم دائما مجرد أثاث مؤقت وفرصي.

أما الجوارح والجشعين الذين يحاولون التشبث بعالم الأعمال بالمنقار والمخالب، وبما أن طموحهم النهائي ليس الموت هنا، بل الطيران والفرار بمجرد أن تمتلىء حويصلاتهم، وتطلعا لمنقلب يحسبونه قريبا، فإن عشهم ــ مهما كان مفروشا بالسجاد اللين ــ لا يمتلك ذلك الأثاث المريح والضخم والباذخ الذي يشكل مبعث فخر وتباه لربات البيوت من بني إسرائيل.

ولذلك، فإن الوفاق بين هذه الفئات الاجتماعية الثلاث لا يوجد إلا بشكل ناقص للغاية، وكما قيل لنا، فإن التطلعات والتأملات الفكرية لا تحظى باهتمام كبير في المجتمع اليهودي؛ فكل ما هنالك هو الثرثرة والتنمم على أولئك الذين يثرثرون ويتنممون، يمكنه في الواقع أن يحل محل قراءة ومناقشة الروايات الجيدة أو السيئة التي قد تبعث بها باريس إليهم.

فأنا لا أدري إن كنتم قد لاحظتم ذلك، ولكن في الخارج، وفي أوساط المجتمع الرفيع، تقتصر مظاهر الثقافة الأدبية العالية أو الفكرية السامية تقريبا وبشكل شبه كلي على الاندهاش والإعجاب ببعض محاربي المسرح أو الكتاب القدامى الذين ترجع نجاحاتهم إلى عهد الإمبراطورية.

وقد أخذت بعض الصالونات اليهودية هذا العيب، فقضاء إجازة في "فيشي" (إذ إنه، أليس كذلك، مهما كان المرء من السكان المحليين، لا بد له مع ذلك من الإصابة بذاك المرض الخفيف الذي يحمله الأوروبيون بأناقة، والذهاب للاستشفاء بالمياه)، ثم إقامة في باريس؛ وها هن سيدات يهوديات شابات، على غرار المجتمع الرفيع الذي لمحنه، يضيقن الشفاه بتصنع ويرفعن أعينهن كسمكة نخرة ليتحدثن إليك عن عبقرية "سارة برنار" (Sarah Bernhardt)، ودهاء "أرتور ماير" (Arthur Meyer)، وشعر السيد "فرانسوا كوبيه" (François Coppée)، وهن يقرأن صحيفة "لو غولوا" (Le Gaulois) ومواظبات على الاشتراك في مجلة "في مينا" (Foemina)، وعن الصحيفة الأولى، لن أقول عنها سوى كل خير، فعندما تتعلم إحدى سيدات طنجة الرفيعات منها أن المشروب الأرستقراطي لميعاد الشاي (Five o'clock) هو شراب "مارياني" (Mariani)، وتقدمه لك، فإن ذلك يظل بالتأكيد أكثر متعة من فنجان ماء داكن بالشاي، لكن من ناحية أخرى... واأسفاه! كم من الدمار تحدثه في النفوس البسيطة والبريئة! وأي مساوئ وسخافات تفتقر إلى الذوق تنتجها نصائح الأناقة التي ينشرها سماسرة الإعلانات!

كان رجل يهودي مسن ــ وهو أحد أولئك الشيوخ الأخيار الذين يتمسكون بالتقاليد القديمة الراسخة، ويطبقون نصيحة الأب الروحي: "بيعوا ما يبلى، واشتروا ما يدوم" ــ يقول لي يوما وهو يريني تلك الصحيفة الشهيرة الخاصة بالأناقة، حيث كانت رسومات بغيضة تعلن عن ألبسة داخلية نسائية غريبة: "إذن نساؤكم يرتدين الملابس على هذا النحو؟!".

فأجبته: "كلا يا شيخنا الطيب، ليست تلك السخافات والبهرجة سوى للمومسات... أما نساؤنا فهن نساء بيوت محافظات ومقتصدات، قل لنسائكم أن يكنّ مثلهن أيضا، فذلك خير لهن... ولكم!»

تم الانتهاء من الجزء 5 سيتم ترجمة الجزء 6 في أقرب وقت .

إرسال تعليق

أحدث أقدم