أحمد الراشدي.. سيرة الشهيد المقاوم الذي واجه الاستعمار الفرنسي

أحمد الراشدي
صورة للمقاوم أحمد الراشدي أُعيد ترميمها وتلوينها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على صورة تاريخية.

تاريخ المغرب 

تطرح البحوث التاريخية والبيوغرافية المعتمدة على سجلات وطنية وأجنبية بلغات متعددة تحديات منهجية معقدة عند تناول أسماء الأعلام، ولا سيما اسم "أحمد الراشدي" (أو أحمد الرشيدي بالرسم البديل) في السياق المغربي.


عند استقراء الكتب والمذكرات والوثائق الرسمية الصادرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، يتضح أن هذا الاسم يتوزع بين ثلاث شخصيات مغربية محورية تركت أثرا بالغا في حقول المقاومة والعمل الحقوقي والمقاولة الاقتصادية ويسعى هذا التقرير التوثيقي إلى التركيز على جزء من سيرة المقاوم المغربي أحمد الراشدي.


الشهيد المقاوم أحمد بن محمد الراشدي وسجل الحركة الوطنية

يمثل الشهيد أحمد الراشدي (المعروف في الوثائق الفرنسية باسم أحمد بن محمد الراشدي) أحد أبرز رموز الكفاح المسلح الفدائي في مغرب الخمسينيات، ترتبط سيرته بالمنظمات السرية التي قاومت نظام الحماية الفرنسية وأذنابه بعد إقدام سلطات الاحتلال على نفي السلطان الشرعي الملك محمد الخامس في أغسطس 1953

.

النشأة والبيئة الاجتماعية بالمدينة القديمة

تشير السير والمذكرات الشفهية والمكتوبة، ولا سيما شهادات المؤرخين المعاصرين وسيناريوهات توثيق معالم الدار البيضاء، إلى أن أحمد الراشدي ولد ونشأ في كنف أسرة مغربية متواضعة تقطن بـ "درب السانية" في المدينة القديمة بالدار البيضاء.


عاش الراشدي يتيم الأب، وتربى تحت رعاية والدته المعروفة بـ "أمّي الحريزية"، رفقة شقيقيه محمد وعبد الرحمن في منزل الحاج علي السرياني.

وقد وصفت أدبيات المقاومة الراشدي بأنه كان يتميز بشخصية وقورة صامتة، ويميل إلى التأمل والانعزال النسبي عن أقرانه في الحي، وما تذكره التراجم الشعبية عنه أنه كان يمتلك حساسية زمنية استثنائية تمكنه من تقدير الوقت بدقة متناهية دون الحاجة إلى استخدام ساعة يدوية، وقد نال في شبابه شهادة الدروس الابتدائية باللغة الفرنسية (Certificat d’études primaires - CEP)، مما منحه قدرة متميزة على التعبير والتحليل والمخاطبة باللغة الفرنسية، وهو ما وظفه لاحقا أثناء جلسات محاكمته الشهيرة.


العمل الفدائي المسلح وتأسيس منظمة اليد السوداء

بدأت الملامح النضالية لأحمد الراشدي تتشكل عمليا قبيل نفي الملك محمد الخامس بأربعة أيام؛ حيث شارك في مقدمة مظاهرة شعبية حاشدة بالمدينة القديمة في 16 أغسطس 1953، تلاحم خلالها المتظاهرون مع الجنود الفرنسيين وسقط فيها عدد من الضحايا، ومع اشتداد القمع، أدركت الحركة الوطنية ضرورة الانتقال من العمليات الفردية العشوائية غير المنظمة إلى التخطيط الهيكلي السري، فساهم الراشدي إلى جانب قادة بارزين مثل محمد الزرقطوني ومولاي الطاهر في تأسيس منظمة "اليد السوداء" (La Main Noire)، والتي عرفت أيضا بـ "مجموعة سينما ريو"


تبنت المنظمة استراتيجية تصفية الشخصيات المتعاونة مع سلطات الحماية الفرنسية لزعزعة جهاز الاستخبارات الاستعماري وفي هذا السياق، قاد أحمد الراشدي ونفذ عملية تصفية فدائية استهدفت المقدم "محمد بن العربي" (وفي بعض المراجع التاريخية يدعى المقدم عبد الله الفاسي) في سبتمبر 1953، ليكون ذلك بمثابة إنذار صارم للخونة والعملاء


المحاكمة التاريخية والإعدام في أدبيات الحركة الوطنية

أدت ثغرات تنظيمية في العمل السري لمنظمة اليد السوداء، متمثلة في عدم الفصل الكافي بين الخلايا، إلى تمكن الشرطة الاستعمارية من كشف أطراف الشبكة واعتقال أحمد الراشدي رفقة رفيقه الإسكافي مولاي الطاهر في 4 يناير 1954.


خضع المعتقلون لمحاكمة عسكرية شهيرة أمام المحكمة العسكرية بالدار البيضاء امتدت من 22 يونيو إلى 5 يوليو 1954، وقد خلد المجلد السابع من كتاب "مذكرات من التراث المغربي" المساجلة التاريخية الشجاعة التي دارت بين الراشدي ورئيس المحكمة العسكرية الفرنسية، والتي دونها محامي الدفاع الفرنسي والمدافع عن قضايا التحرر من الاستعمار، الأستاذ جان شارل لوغران:


رئيس المحكمة: "إن في عملكم رجوعا إلى الوراء.. إنه يمثل عودة إلى القرون الوسطى." 

الراشدي: "نعم، هناك إقطاعيون بالمغرب كمثل الكلاوي." 

رئيس المحكمة: "لن تحققوا شيئا بواسطة العنف."

الراشدي: "إن العنف يلائم الوضع الراهن، لقد كان لنشاطي هدف سياسي؛ فقد طرد ملكنا، فقتلت مقدما لأعطي المثال للخونة الآخرين.. وستكون هناك اغتيالات أخرى بدوني." 

رئيس المحكمة: "ماذا يعني الاستعمار؟" 

الراشدي: "إنه العبودية.. أنا لم أندم على شيء، بل أنا فخور بموتي من أجل الدفاع عن قضيتي، وسيحكم علي لأنني قتلت خائنا، من طرف أولئك الذين ينادون بالحرية والديمقراطية." 

رئيس المحكمة: "سيصدر حكم في حقك لأنك إرهابي." 

الراشدي: "أنا أمارس الإرهاب كما مارستموه ضد النازية.. فهل هذا إرهاب أم مقاومة؟"

قضت المحكمة بإعدام أحمد الراشدي ومولاي الطاهر الطاهر بن عبد الكريم، ونفذ رميا بالرصاص في سجن العادر بمدينة الجديدة في 20 نونبر 1954 وفق بعض السجلات الصحفية المتأخرة)، وسجلت كتب التاريخ امتناعه الصارم عن السماح للجنود بعصب عينيه قائلا، جملته الشهيرة: 


"اتركوني أرى سماء وطني للمرة الأخيرة"


 وتكريما لتضحيته، أطلقت سلطات الاستقلال اسمه على ساحة "نيفادا" الشهيرة بالدار البيضاء لتبقى منارة تاريخية للأجيال المتلاحقة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم