السلطان المولى عبد العزيز بن الحسن (1894–1908)

 

السلطان مولاي عبد العزيز

ينتمي السلطان الثامن عشر من السلالة العلوية التي حكمت المغرب، المولى عبد العزيز بن الحسن الأول، إلى نسب شريف يمتد إلى علي بن أبي طالب.

ولد بمدينة فاس في حدود سنة 1298 هـ / 1878 م (أو 1880 م وفق بعض الروايات التاريخية)، من أم شركسية هي السيدة "لالة رقية"، التي قدم بها الحاج العربي بريشة التطواني إلى البلاط السلطاني للحسن الأول نشأ الأمير الصغير في ظل عهد والده السلطان الحسن الأول، الذي اتسم بحركة دائبة للحفاظ على هيبة الدولة وإخضاع القبائل الرافضة للجباية عبر المحلات السلطانية الشاملة.

حظي المولى عبد العزيز بمكانة أثيرة لدى والده، مما دفعه إلى تفضيله على إخوته الأكبر سنا، وفي مقدمتهم المولى محمد والمولى عمر، وقد أقدم السلطان الحسن الأول على عزل نجله المولى محمد عن خليفته بمراكش نظرا لتصرفاته الاستبدادية وتجاوزه للأحكام الشرعية، ليقدم بدلا منه نجله الأصغر والمفضل المولى عبد العزيز.


تصف المصادر الأجنبية المعاصرة، ومنها ما وثقه الفرنسي غابرييل فيري في كتابه "في حميمية السلطان"، المظهر الخارجي للمولى عبد العزيز في شبابه بأنه كان مراهقا طويل القامة، ذكي الملامح، ذا بنية جسدية ضخمة تفتقر إلى التكوين العسكري والبدني الصلب الذي يتطلبه ميزان الحكم القاسي في المغرب آنذاك، هذا التكوين الرقيق انعكس مستقبلا على مقدرته في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية المعقدة التي واجهت سلطنته عند تسلمه مقاليد الحكم المباشر.

اعتلاء العرش ووصاية الصدر الأعظم "با حماد" (1894–1900)

وافت المنية السلطان الحسن الأول سنة 1894 م خلال محلة سلطانية في منطقة تادلة، وهو في طريق العودة من تافيلالت ومراكش نحو فاس، فرضت وفاة السلطان في أرض غير آمنة وضعا سياسيا حرجا، ما دفع الحاجب السلطاني أحمد بن موسى البخاري (المعروف بـ "با حماد") إلى اتخاذ خطة محكمة بكتمان خبر الوفاة بتنسيق مع أم الأمير، لالة رقية، تم نقل جثمان السلطان المتوفى في محفته وكأنه حي، حتى وصلت المحلة إلى مناطق الشاوية قرب سطات، لتتأمن السيطرة ويتم إعلان بيعة الابن الأصغر المولى عبد العزيز، وكان عمره لا يتجاوز أربعة عشر إلى سعة عشر عاما. 

شهدت بداية العهد العزيزي صراعا بين القوى المخزنية، حيث سعى آل الجامعي (الصدر الأعظم المعطي الجامعي وأخوه وزير الحربية محمد الصغير) إلى نقل السلطان إلى فاس لدعم نفوذهم، غير أن با حماد أحبط هذه المحاولة، مستندا إلى قوة "جيش البخاري"، وأقنع السلطان بالتوجه إلى مكناس، وهناك جرى اعتقال أفراد آل الجامعي وتجريدهم من أموالهم بتهمة التآمر لصالح الشقيق الأكبر المولى محمد، تولى با حماد منصب الصدارة العظمى والوصاية الفعلية على العرش طيلة ست سنوات (1894–1900)، أدار خلالها شؤون المغرب بحزم وصرامة مستنسخا سياسات السلطان الراحل، في حين ظل المولى عبد العزيز معزولا داخل القصر يتلقى التعليم التقليدي ولا يظهر للعامة إلا في المناسبات الرسمية والدينية، وخلال هذه الفترة تم استكمال بناء دار البطحاء بفاس سنة 1897 م لتكون إقامة صيفية ومقرا، للاستقبالات الملكية، وبوفاة با حماد سنة 1900 م، والتي بكاه فيها السلطان بحرقة كما نقل المعاصرون كوالتر هاريس، دخل المغرب مرحلة جديدة اتسمت بفراغ قيادي وإداري كبير.

الحكم المباشر والأزمات الداخلية والبلاط العزيزي (1900–1908)

وجد السلطان عبد العزيز نفسه سنة 1900 م، وهو في سن العشرين، يحكم مباشرة دولة معقدة تتقاطع فيها التهديدات الاستعمارية الخارجية مع الفتن الداخلية، دون أن يملك الخبرة السياسية أو الميدانية الكافية، فشل خلفاء با حماد في منصب الصدارة العظمى، مثل المختار بن عبد الله وفضول غرنيط، في ضبط التوازنات، وبالمقابل، تصاعد نفوذ المهدي المنبهي (وزير الحربية) الذي خاض منافسات سياسية حادة وأقام علاقات وثيقة مع الأجانب وسرب أموالا إلى الخارج، مما أدى لاحقا إلى عزله بإيعاز من خصومه.


ترافق هذا الارتباك السيادي مع افتتان السلطان الشاب بالابتكارات والمخترعات الأوروبية الحديثة، تحول البلاط إلى مقصد للتجار والدبلوماسيين المغامرين الأوروبيين، أمثال الكاتب البريطاني والتر هاريس، والطبيب ماكلين، والفرنسي غابرييل فيري، الذين استغلوا شغف السلطان لبيعه أدوات ومخترعات بأسعار خيالية أفرغت خزينة الدولة، اندفع السلطان نحو اقتناء آلات التصوير والسينما المبكرة واستخدامها لتصوير حريم القصر والمناسبات الخاصة، كما جلب مولدات الإضاءة الكهربائية وأجرى التجارب الفيزيائية في أروقة القصر، وامتد هذا الشغف إلى استيراد الدراجات الهوائية والمناطيد ووسائل الاتصال كالهاتف، بل وصل إلى حد إنشاء خط سكك حديدية مصغر داخل القصر بفاس لقطار لعبة، أدى تشييده إلى تجريف طرق وشوارع نافذة وتشييد أسوار حماية حوله مما أثار بلبلة بين السكان.


نتج عن هذا التهافت التكنولوجي تداعيات سياسية واجتماعية خطيرة، فقد وظف علماء الدين والفقهاء، كعبد الحي الكتاني في كتابه "المفاكهة"، هذه السلوكيات لاتهام السلطان بمجالسة "الأرذال والأجانب" والتخلي عن أهل العلم، وأدى الإنفاق غير المترشد على هذه المقتنيات، إلى جانب تزايد الفساد المالي بين الوزراء والقياد، إلى إنهاك الميزانية العامة واضطرار المخزن إلى الاستدانة المتواصلة من البنوك الأوروبية.

الأزمة المالية وإصلاح ضريبة الترتيب (1901)

واجه المغرب بداية القرن العشرين أزمة مالية خانقة تداخلت فيها عوامل طبيعية وبشرية، من توالي سنوات الجفاف وانتشار آفة الجراد، إلى استنزاف نفقات المحلات السلطانية وتزايد حجم الديون الخارجية، ولتجاوز هذا الاختلال الهيكلي، اقترح بعض المستشارين والرحالة الأجانب، وفي مقدمتهم والتر هاريس، على السلطان إقرار إصلاح جبائي شامل يستند إلى المبادئ المقرة في مؤتمر مدريد لعام 1880 م، تجسد هذا الإصلاح في إصدار "ضريبة الترتيب" سنة 1901 م.


هدفت ضريبة الترتيب إلى إلغاء المكوس والضرائب التقليدية الاستثنائية والفرائض غير الشرعية، وتوحيد الجباية في ضريبة سنوية مقطوعة تحسب بوضوح على أساس الملكية العقارية، وعدد رؤوس الماشية، والأشجار المثمرة، مع فرضها على الجميع بمن فيهم الأجانب والمحميون والشرفاء والقياد.


سقط هذا الإصلاح في خطأ إجرائي وسياسي؛ فقد أعلن السلطان عبد العزيز إلغاء الضرائب والشرائع القديمة قبل الحصول على موافقة القوى الأوروبية وتعهدها بإلزام رعاياها والمحميين لديها بأداء الترتيب، استغلت القبائل والقياد والعلماء هذا الوضع، فامتنعت القبائل عن أداء أي ضريبة بدعوى عدم شرعيتها، بينما رفض الأجانب والمحميون الخضوع للترتيب، كانت النتيجة تجريد خزينة المخزن من المداخيل، وتعميق عجز الموازنة، مما أرغم السلطان على الوقوع المباشر في فخ القروض الفرنسية لعام 1904 م، والتي اشترطت فرنسا مقابلها الارتهان الجمركي والمالي للموانئ المغربية.

الاضطرابات الداخلية وتمرد بوحمارة والريسوني (1902–1909)

شكل انهيار السلطة المالية للمخزن بيئة مناسبة لانتشار الاضطرابات الداخلية وتراجع هيمنة الدولة المركزية لصالح بلاد السيبة، وكان أخطر هذه التمردات حركة الجيلالي بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، الملقب بـ "بوحمارة" أو "الروكي"، كان بوحمارة موظفا سابقا بالقصر السلطاني وطبوغرافيا متعلما خريج المدارس المهندسية بتلمسان وباريس، وعمل كاتبا للمولى عمر شقيق السلطان بفاس، بعد سجنه لتزوير وثائق رسمية وفراره، استغل الجيلالي الزرهوني غياب وسائل التواصل الحديثة، وانتحل صفة الأمير الشريف "المولى امحمد"، الأخ الأكبر للسلطان عبد العزيز والمغيب داخل القصر.


استطاع بوحمارة السيطرة على مدينة تازة سنة 1902 م، مستغلا سخط القبائل من التغلغل الأجنبي وضريبة الترتيب، وسرعان ما امتدت إمارته المتمردة لتمتد من تازة إلى وجدة والريف الشرقي وقصبة سلوان، أنشأ هناك سلطنة قائمة الذات كبديل للمخزن، وجيشا نظاميا، وقام بإبرام معاهدات واستثمارات مباشرة مع القوى الاستعمارية؛ حيث منح شركة فرنسية حق استغلال منجم "أفرا" للرصاص، وشركة إسبانية حق استغلال مناجم الحديد في "ويكسان" بالريف.


أرسل السلطان عبد العزيز ثلاثة جيوش سلطانية متتالية للقضاء على حركة بوحمارة، لكنها تكبدت هزائم نكراء وفقدت عتادها العسكري، ولم يفلح إفراج السلطان عن شقيقه الحقيقي المولى امحمد وإظهاره للعامة في الحد من شرعية بوحمارة لدى القبائل المتشككة، توازى هذا الخطر مع بروز ثورات أخرى في الشمال، مثل حركة أحمد الريسوني في أحواز طنجة، الذي أقدم على اختطاف أجانب لابتزاز المخزن والمطالبة بالفدية، مما دفع الدول الغربية لتوجيه بوارجها نحو السواحل المغربية، واضطر السلطان لتعيين الريسوني عاملا على المنطقة لتجنب المواجهة المباشرة، أثبتت هذه الثورات المتلاحقة للعواصم الأوروبية عجز المخزن العزيزي عن فرض الأمن والتنفيذ القانوني، ما اتخذ ذريعة للتدخل الدولي المباشر.

التدويل الدبلوماسي ومؤتمر الجزيرة الخضراء (1906)

سرّعت الأزمة المغربية من وتيرة التوافقات السرية بين الدول الإمبريالية، حيث وقعت فرنسا وبريطانيا الاتفاق الودي سنة 1904 م، والذي أطلق يد فرنسا في المغرب مقابل إطلاق يد بريطانيا في مصر، مع منح إسبانيا النفوذ في المنطقة الشمالية والصحراوية، أثار هذا الاتفاق حفيظة الإمبراطورية الألمانية التي شعرت بالعزلة والتهميش في كعكة التقسيم الاستعماري، وفي 31 مارس 1905 م، قام القيصر الألماني فيلهلم الثاني بزيارة تاريخية لطنجة، أعلن فيها دعمه لاستقلال المغرب وللزيادة في صلاحيات السلطان، داعيا إلى عقد مؤتمر دولي للبث في القضية المغربية.


أسفر هذا التنافس الدولي عن انعقاد "مؤتمر الجزيرة الخضراء" بإسبانيا بين 16 يناير و7 أبريل 1906 م، بمشاركة ثنتين وثلاثين دولة، ومثّل المغرب بوفد ترأسه الحاج محمد الطريس والحاج محمد بن عبد السلام المقري.


رغم الموقف الرافض الذي أبداه المندوبون المغاربة في البداية لعدم إمكانية التوقيع على مساس صريح بالسيادة، إلا أن السلطان عبد العزيز اضطر تحت الضغط الدبلوماسي والعسكري الأوروبي إلى توقيع وإقرار وثيقة المؤتمر النهائية بموجب مرسوم شريف بتاريخ 18 يونيو 1906 م. كانت مصادقة السلطان على "شروط الخزيرات" بمثابة التعرية الأخيرة لشرعيته الشعبية والدينية داخل المغرب.

الحركة الحفيظية وعزل السلطان (1907–1908)

أججت المقررات الناجمة عن مؤتمر الجزيرة الخضراء غضبا شعبيا وتعبئة من العلماء والأعيان ورجال الطرق الصوفية، وتفاقم الوضع سنة 1907 م بعد نزول القوات الفرنسية واحتلالها لمدينة وجدة بالشرق، ثم إنزال قواتها بالدار البيضاء والدكالة واقتراف مجازر بها ردّا على قتل عمال أوروبيين في المرفأ، أدى عجز السلطان عبد العزيز عن ردع هذا التوغل إلى بروز "الحركة الحفيظية"، حيث بادر أخوه المولى عبد الحفيظ، الذي كان خليفة للسلطان على مراكش والجنوب، إلى قيادة حركة الرفض برعاية الشيخ ماء العينين وقادة القبائل السوسية والحوزية.


شهدت فاس ومراكش تحولا فقهيا وسياسيا استثنائيا تمثل في إقرار ما يُعرف بـ "البيعة المشروطة" للمولى عبد الحفيظ سنة 1908 م، وضعت أمة العلماء وممثلو الشعب شروطا مسبقة لمبايعة السلطان الجديد، حيث ألزموه بإلغاء بنود وثيقة معاهدة الجزيرة الخضراء ورفع شروطها المجحفة، والعمل على تحرير الثغور المحتلة واسترجاع الأراضي المقتطعة من الحدود المغربية، كما اشترطت البيعة الحفيظية تطهير الإدارة المخزنية من النفوذ والاستشارات الأجنبية، وإشراك الأمة عبر العلماء وأهل الحل والعقد في المفاوضات السياسية، وإقرار إصلاحات دستورية واقتصادية تحفظ السيادة الوطنية.


في يناير 1908 م، أعلن علماء فاس رسميا عزل السلطان عبد العزيز، واندلعت مواجهة عسكرية وميدانية بين المعسكر العزيزي المدعوم بقروض فرنسية وشبه تأييد غربي، والمعسكر الحفيظي الملتف حول شعار الجهاد، وبعد هزيمة القوات العزيزية وتضعضع الموقف الميداني، آثر السلطان عبد العزيز التنازل عن الحكم في شهر رمضان 1326 هـ (نوفمبر 1908 م) حقنا لدماء المغاربة ومنعا لاتساع شقة الحرب الأهلية، توافق السلطان المخلوع مع أخيه عبد الحفيظ، وانتقل بموجب الاتفاق لسكنى مدينة طنجة التي كانت تحت وضع دولي خاص، جاعلا منها مقرا لإقامته الدائمة مع صرف راتب ومخصصات مالية له من طرف إدارة المخزن.

حياة المنفى، التفرغ العلمي، والوفاة (1908–1943)

أمضى السلطان السابق عبد العزيز بن الحسن خمسة وثلاثين عاما في منقله الاختياري بطنجة (1908–1943)، اتسمت هذه المرحلة بجمود نشاطه السياسي المباشر، وميل نحو الحياة الاجتماعية والتركيز على التحصيل العلمي والديني، شهدت هذه الفترة تحولا في الاهتمامات العلمية للسلطان المعتزل، حيث عكف على دراسة العلوم الشرعية والعقيدة السلفية وتوحيد العبادة تحت إشراف المحدث والشيخ عبد الله السنوسي، وفي شهادة نقلها العلامة السلفي تقي الدين الهلالي الذي التقى بالسلطان عبد العزيز بطنجة سنة 1942 م، أشار الهلالي إلى أنه وجد السلطان المخلوع راسخ العقيدة، متضلعا في علوم الحديث والسنن، متبرئا من عبادة القبور والتوسل، وملازما لقراءة كتب التراث والدفاع عن منهج السلف الصالح.


ترك الشيخ السنوسي خزانة كتبه العلمية لدى السلطان عبد العزيز قبل وفاته، حافظا لها لينتفع بها طلبة العلم، كما عرف عن السلطان احتفاظه بمكتبة خطية وشخصية غنية نُقلت لاحقا إلى مدينة فاس.


خيمت الظروف السياسية الدولية مجددا على أواخر حياة السلطان عبد العزيز أثناء الحرب العالمية الثانية، فعندما أقدمت القوات الإسبانية على احتلال منطقة طنجة الدولية سنة 1940 م، أبدى السلطان المعتزل مهادنة للواقع الجديد، مما جعل بعض دوائر المخزن تتهمه بالسهولة السياسيّة.


توفي السلطان عبد العزيز بن الحسن صبيحة يوم ثامن جمادى الثانية سنة 1362 هـ (الموافق 10 يونيو 1943 م) بمدينة طنجة، عن عمر يناهز الخامسة والستين، وبأمر من السلطان سيدي محمد بن يوسف (الملك محمد الخامس لاحقا)، نقل جثمان السلطان المتوفى في موكب رسمي إلى مدينة فاس، حيث ووري الثرى في المقبرة الملكية بجوار ضريح جده السلطان مولاي عبد الله.

تُشكل فترة حكم السلطان عبد العزيز بن الحسن (1894–1908) إحدى أكثر الفترات حرجا وتعقيدا في تاريخ المغرب الحديث، فقد تلاقت فيها أزمة انتقال السلطة لسلطان قاصر مع تراجع الكفاءة الإدارية للمخزن، وتفاقم العجز المالي الناتج عن فشل الإصلاحات الجبائية مثل "ضريبة الترتيب"، لم تكن تجربة السلطان العزيزي مجرد حكايات عن الانغماس في الترف واقتناء المخترعات الغربية، بل كانت في عمقها التجلي الأبرز لصدام بنية مخزنية تقليدية متهالكة مع اندفاعة إمبريالية حديثة ومدروسة، أدت الأخطاء الإستراتيجية في التعامل مع الديون والقوى الأجنبية، إلى جانب العجز عن احتواء التمردات الداخلية كحركة بوحمارة، إلى ارتهان السيادة الوطنية بموجب مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906).

ورغم الانكسار السيادي الذي شهده عهده وأفضى إلى خلعه وانطلاق الحركة الحفيظية، إلا أن المسار الشغفي والشخصي للسلطان عبد العزيز انتهى بنوع من التدارك الفكري والديني خلال عقود النفي بطنجة، ليبقى عهده درسا في التاريخ السياسي المغربي يعكس كيف يؤدي ضعف الجبهة الداخلية والارتهان المالي للخارج إلى شلل مؤسسات الدولة وسقوط العرش في شباك الحماية الأجنبية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم