هذا الجزء الثاني من الفصل الثاني من الكتاب، لقراءة الجزء السابق اضغط على هذا الرابط.
... قامت بالدفاع بقوة، ونيران المشاة والمدفعية أتت أكلها؛ ولكن على الرغم من كل شيء، وجد المربع في موقف صعب؛ بل كان منخرطاً بقوة في القتال عندما هرع الجنرال إلى صوت المدفع ومعه أربع سرايا أخرى وفصيلة مدفعية 75 مم.
أمام هذا التعزيز، لم يستسلم المغاربة على الفور للقصف المروع، بل على العكس من ذلك، وفي اندفاعة شرسة، جاءوا حتى مسافة 200 متر ليلقوا آخر رصاصة لهم مع آخر تحد، لم ينسحبوا إلا في وقت لاحق، مطاردين بشظايا قذائفنا وقذائف سفينة (لاغلواغ)، أما قوة الاستطلاع، فقد نفذت عودتها إلى المعسكر وهي تتعرض لمضايقات مستمرة، على الرغم من كل شيء، من قبل العديد من فرسان العدو، كلفنا هذا الاشتباك ثلاثة قتلى واثني عشر جريحا.
31 غشت اليوم اتخذ الإسبان قرارا بطوليا، لقد غادروا الأسوار وأنشأوا معسكرهم في القطاع الغربي على موقع مجاور للبحر، بالقرب من أسوار المدينة وخلف نقطة الدعم اليمنى.
1 شتنبر، أرسلت قوة استطلاع في اتجاه مزرعة ألفاريز عبر الضفة اليمنى لوادي بوسكورة، وبمجرد أن تجاوزت تلة المراقبة، تعرضت لهجوم عنيف، تدخلت المدفعية بقوة في الخط، ساعية لكسر اندفاع الخصم من أبعد مسافة ممكنة ومنعه من الاقتراب، كان القتال ضاريا، تكون مُربع بسرعة في المعسكر واتجه نحو اليمين؛ فرقة الخيالة (كوم)، التي عملت كطعم منذ البداية، انسحبت جاذبة المغاربة إلى أضلاع المربع، حيث استقبلتهم النيران العنيفة للمشاة والمدافع الرشاشة والمدافع، ومع ذلك، لم يتباطأ اندفاع المغاربة، لقد استداروا، ولكنهم مزقوا مجموعاتهم لتقليل التعرض لنيراننا، ثم عادوا إلى الهجوم بضراوة رائعة، تقدمت عندها سريتان وفصيلة من مدفعية 75 مم، تشكلان الموجة الثالثة، عبر الضفة اليسرى، مما حسم انسحاب العدو الذي تراجع إلى ما وراء مزارع ألفاريز وبراندت.
صدر الأمر بالعودة إلى المعسكر، وتمت الحركة على شكل موجات وتحت نيران العدو الذي رافق قواتنا حتى مسافة 1500 متر من خطوطنا، بقي المغاربة طوال الليل في مكان المعركة، يحرقون وينهبون المزارع، كلفنا هذا الاشتباك قتيلا وخمسة جرحى، من بينهم النقيب المدفعي ماسنيه.
كل هذه الاشتباكات دفعت القيادة إلى تشكيل مفرزة مراقبة ثابتة على التل الذي يحد الأفق جنوبا، تتألف من المشاة والمدفعية، فبينما كانت هذه المفرزة تضمن حماية مؤكدة للمعسكرات، فإنها منحت القيادة حرية العمل التي كانت ضرورية لها للعمل على مسافة أبعد.
الدار البيضاء: تُنقَل التوابيت على عربات بدائية (أراراس) إلى الميناء، ثم تُشحَن إلى فرنسا
كانت سرية من المشاة وفصيلة من المدفعية تصعدان كل يوم عند الفجر إلى القمة، وتتمركزان في الجنوب الشرقي من النقطة 44 (cote 44)، بينما كانت طلائعها تتقدم إلى الموقع الحالي لـ حصن بروفو (Fort Provot)، ولاحقا، نُقل الموقع إلى النقطة 47، كان دور هذه القوة دفاعيا بحتا، ولم يُسمح لها بأي مبادرة، كما أمن هاتف ميداني الاتصالات مع هيئة الأركان، وعند حلول الليل، كانت القوات تعود إلى المعسكر.
بدت المعارك الأخيرة وكأنها أبطأت لبعض الوقت حماس المغاربة وهدأت من جرأتهم؛ إذ ابتعدوا عن الجوار المباشر ولم يظهروا إلا نادرا على القمم الأكثر بعدا، محتفظين بمسافة آمنة خارج مدى المدافع، حينها قررت القيادة إجراء استطلاع هجومي في اتجاه الجنوب الشرقي، للحصول على معلومات عما كان يدور خلف القمة الكبيرة الأولى لـ "الساحل"، لماذا الجنوب الشرقي؟ كان من المعروف منذ عدة أيام وجود معسكر مغربي في تادرت، على بعد 8 كيلومترات جنوب غرب الدار البيضاء، لذا كان من المفترض أن تكون هذه النقطة هي هدف أول استطلاع هجومي، لكن تم تقدير الأمر بشكل مختلف!
3 سبتمبر. معركة سيدي مؤمن. - في حوالي الساعة التاسعة صباحا، تلقت قوة استطلاع أمرا بالتوجه نحو سيدي مؤمن وصولا إلى 8 كيلومترات من المعسكر، وتم اعتماد التشكيل التالي:
المربع الأول: يتألف من ثلاث سرايا من "اللفيف الأجنبي" (Légionnaires)، وثلاث سرايا من "الرماة" (Tirailleurs)، وبطارية مدفعية 75 مم، وفرقة "الكوم" (Goum)، وسرب من "الصبايحية" (Spahis)، كان هذا المربع تحت قيادة العقيد "بلان" (Blanc)، ومهمته التقدم في الاتجاه المحدد ليكون بمثابة طعم؛ حيث كلفت القوات المحمولة (الخيالة) بمهمة الاشتباك مع العدو واستدراجه نحو أضلاع المربع.
المربع الثاني: تحت قيادة العقيد "برولار" (Brulard)، ويضم كتيبة (من اللفيف والرماة)، وبطارية مدفعية جبلية، وسربا من "قناصة أفريقيا" (Chasseurs d’Afrique)، صدرت له الأوامر بتتبع الموجة الأولى ومقاطعة نيران مدفعيته مع نيرانها، وذلك لمنع العدو من الاستفادة من السواتر الطبيعية وإجباره على القتال في الأراضي المكشوفة.
كان الجنرال يسير مع الموجة الأولى، ونتيجة لخطأ في البداية، فإن الموجة الثانية التي كانت تسير على بعد كيلومتر واحد من الأولى، وبدلا من أن تتجه يمينا نحو الجانب المهدد، انحرفت جهة البحر وكان لا بد من تصحيح مسارها، في هذه الأثناء، تلقت الموجة الأولى أمرا بمواصلة السير نحو سيدي مؤمن، وما إن بدأت الحركة حتى شن المغاربة هجوما على الجبهة والميمنة، فتحت المدفعية نيرانها فورا، لكن قصفها لم يكن فعالا بما يكفي، إذ ظل مقاتلو الشاوية متفرقين، يخفون تحركاتهم خلف تضاريس الأرض، المربع، الذي شلت حركته في البداية، بدأ يتقدم بـ "وثبات" بطيئة جدا نحو قمة سيدي مؤمن حيث تعرض المربع لنيران كثيفة جدا؛ وبالرغم من أن الرجال كانوا يقفون على مسافة ثلاث خطوات بين كل فرد والآخر، إلا أنهم شكلوا هدفا مرئيا بوضوح، خاصة وأن التشكيل الجامد للمربع حال دون تمكن أجزاء من الخط من الاحتماء، وفي الداخل، شكلت المدافع، وأطقم الجر، والمحفات (cacolets)، وهيئة الأركان مجموعات معرضة بشدة للإصابة، لذا كانت الخسائر ملموسة؛ حيث قتل الرائد "بروفو" (Provot) من اللفيف الأجنبي خلال هذه المرحلة من القتال.
في هذه الأثناء، كان مربع العقيد "برولار"، الذي صحح مساره، يتواجد في موقع متأخر ومتجاوز جهة اليمين، لكنه كان بعيدا جدا عن المربع الأمامي، تعرض هو الآخر للهجوم على جانبه الأيمن ومن الخلف من قبل مجموعات تسللت بين البحر والرتل، أو قدمت من "تادرت" عند سماع دوي المدافع، إن المسار الذي سلكه المربع عرَّضه لنيران المغاربة المتمركزين على تلة كان يمر بمحاذاتها على مسافة قصيرة.
تم فصل سرية من الرماة لاحتلال مزرعة "دار أولاد بو عزة إبراهيم" (النقطة 120) التي كان المغاربة يوجهون منها نيرانا منحدرة وكثيفة، نجحت هذه الحركة، لكنها تسببت في شل حركة مربع "برولار" الذي أصبح أحد أضلاعه مكشوفا، بينما كان المربع الأمامي (مربع العقيد "بلان") يبتعد أكثر فأكثر نحو سيدي مؤمن، أدى ذلك إلى خوض المفرزتين معركتين منفصلتين تماما، ولم تتمكنا من تقديم أي دعم لبعضهما البعض.

استمر القتال لأكثر من ساعتين في حالة دفاعية بحتة، عندما أصدر الجنرال فجأة الأمر بالانسحاب نحو المعسكر، كان من المفترض أن يبدأ التحرك بمربع العقيد "بلان" (Blanc) باعتباره الأبعد، بينما يقوم مربع العقيد "برولار" (Brulard) بحمايته من خلال البقاء في موقعه.
للأسف، لم تتهيأ الظروف المناسبة لتنفيذ هذه المناورة؛ فقد تباطأت حركة المسير بسبب تكدس الجرحى والقتلى الذين لم يكن من الممكن تركهم للعدو، وبسبب نقص وسائل النقل لدى المصلحة الصحية، فضلا عن ذلك، كان من الضروري التخلي عن القمم التي سيسارع العدو إلى احتلالها فورا، وبالتالي الهبوط من المنحدرات تحت نيران عنيفة كان لا بد أن تتسبب في خسائر كبيرة، أما سرية الرماة، التي كانت متمركزة في المزرعة عند النقطة 120 ولم تكن قد تضررت حتى ذلك الحين، فقد تكبدت خسائر فادحة أثناء انسحابها نحو المربع، حيث سقط منها قتيلان وسبعة جرحى.
استمرت الحركة ببطء على شكل وثبات بين الموجات، لكن العدو، الذي أنهك بشدة خلال القتال، خفف من حدة هجومه ولم ينزل إلى السهل، حيث كان بإمكان المدفعية البرية والبحرية إلحاق خسائر جسيمة به، ومع ذلك، أعادت بعض المجموعات تشكيل نفسها للعودة إلى معسكرها؛ لكن مدفعية 75 مم سرعان ما قامت بتشتيتهم.
بينما كانت قوة الاستطلاع تشتبك في سيدي مؤمن مع حشود من قبائل تيط مليل، تعرضت مفرزة المراقبة المتمركزة على تلة المعسكر لهجوم من جانب من حشود تادرت الذين هددوا المعسكر نفسه في لحظة ما، دخلت سريتان من "الرماة"، وسريتان من "اللفيف"، وفصيلة مدفعية 75 مم تباعا في خط القتال على التلة، واضطروا حتى الساعة الثانية بعد الظهر لمقاومة الهجمات العنيفة للخيالة المغاربة، وهناك قتل الملازم (من القوات المحلية) بن عزة من فوج الرماة الثاني، ويقال إن هذا الهجوم كان السبب الذي دفع الجنرال لاتخاذ قرار الانسحاب المفاجئ لقوة الاستطلاع، خشية أن يُعزل عن المعسكر.
كانت معركة 3 شتنبر، التي قاتل فيها 3500 رجل لمدة خمس ساعات ضد 10000 مغربي، قد كلفتنا ضابطين قتيلين، وثمانية قتلى من الجنود وسبعة عشر جريحا، أما من جانب الخصوم، فقد قدرت خسائرهم بـ 1200 رجل خلال المعارك الثلاث التي جرت أيام 28 غشت و1 و3 شتنبر"هذا الكلام قد لا يكون دقيقا باعتبار ان الكاتب جنرال، وقد تكون خلفيته سبب في عدم قول الحقيقة أي حقيقة الأرقام".
لقد تضرر العدو بشدة؛ فتضاءلت جرأته وعدوانيته، وأدرك أنه لم يعد بإمكانه — كما كان يأمل — إلقاء الفرنسيين في البحر والقيام بعملية نهب ثانية؛ ومع ذلك، ظل مرابطا في ضواحي الدار البيضاء، في تادرت وسيدي إبراهيم القدميري، اللتين تبعدان عن المدينة مسافة 8 و18 كيلومترا على التوالي، وفي ظل هذه الظروف لم يعد بالإمكان الحفاظ على الأمل في سحق العدو في ميدان المعركة.
على الرغم من أن كل تلك المعارك المتكررة لم تكن سوى هجمات غير منظمة شنتها القبائل، وصدّتها قواتنا ببراعة، إلا أنها كانت تنتهي دون نتيجة فعلية بسبب الانسحاب السريع للمهاجمين خلف القمم التي لم يكن الجنرال، بدافع الحذر، يرغب في تجاوزها، ومع ذلك، فمن غير المشكوك فيه أنه بعد واقعة 3 شتنبر، بدأ اليأس يتسرب إلى القبائل، لذا، كان من المنطقي استئناف هجوم قوي منذ اليوم التالي، وهو ما كان يأمله الجميع، من ناحية أخرى، كانت هناك ضرورة لمحو الانطباع السيئ الذي تركته المعركة الأخيرة بخسائرها المؤلمة في نفوس القوات.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث! يبدو أن ضراوة القتال وعدد القتلى والجرحى كان لهما أثر حاسم على قرارات القيادة، وفي الواقع، ساد نوع من الهدنة في الأيام التالية، وفي 6 شتنبر، تلقى الجنرال درود (Drude) رسالة من الشيخ الحييسي المنتمي إلى قبيلة اشتوكة، كان متواجدا بمعسكر تادورت، وقد حضر إليه بغرض حمل القبائل على الدخول في تفاهم مع الفرنسيين، يبلغه فيها بوصوله لطلب تعليق الأعمال العدائية حتى 8 شتنبر، وافق الجنرال درود على الهدنة المطلوبة، بل ومددها حتى 9 سبتمبر دون أي نتيجة، إذ إن الشيخ لم يحضر حتى للمقابلة التي طلبها بنفسه والتي ووفق عليها.
في 7 شتنبر، نزلت في الدار البيضاء فرقة من الملاحين الجويين (aérostiers) مع معداتهم ومنطاد ثابت أُطلق عليه قريبا اسم "الدار البيضاء" (Dar el-Beïda)، كان هذا المنطاد عامل جذب خاص لقوات الإنزال، المكونة أساسا من القوات المحلية (المجندين من المستعمرات) "الخونة" الذين لم يسبق لهم رؤية منطاد قط، كان هذا المنطاد يقوم يوميا، وحتى في الليل، بالعديد من عمليات الصعود من المعسكر، مرتفعا إلى ما بين 300 و350 مترا، ليؤدي مهمة الاستكشاف بدلا من الخيالة الذين لم ترغب القيادة في تعريضهم للخطر بشكل كبير، وهكذا، تم تحديد المواقع الدقيقة لمعسكرات تادرت وسيدي إبراهيم، وعرفت مدى أهميتها وضخامتها.
حتى 9 شتنبر، ظل الجميع في حالة ترقب؛ ومنذ ذلك التاريخ، تلقت قوات الاستطلاع التي كانت تخرج أوامر حذرة بألا تتقدم أبعد من مسافة معينة، 4 كيلومترات كحد أقصى، ومع ذلك، كان المعسكر الضخم للعدو، والذي تم التبليغ عنه منذ فترة طويلة في تادرت، هدفا واضحا ومغريا جدا! كانت "تادرت" هي الكلمة التي تتردد على كل لسان، الجميع في قوات الإنزال كانوا يتناقشون باستمرار حول السقوط الوشيك لمعسكر تادرت، كانت العقول مهووسة بهذا الأمر، والكل ينتظر بفارغ الصبر لحظة الزحف نحوه.
تقدم المشاة للهجوم على تادارت
صورة محسنة بالذكاء الاصطناعي
بدأ اسم تادرت يحيطه نوع من السراب؛ فقد كان يجسد الأمل الذي يحمله كل فرد في أعماق قلبه، ألن يسمح الاستيلاء على هذا المعسكر بإعادة إحياء الإنجاز الشهير لأسلافنا عند استيلائهم على "زمالة" الأمير عبد القادر؟ لم يكن أحد يفهم تردد القيادة، التي كانت ترى أنها بست كتائب لا يمكنها المجازفة بمثل هذه الخرجة! ومما لا شك فيه أنها كانت ملزمة بترك الجزء الأكبر من قواتها لحراسة المعسكرات؛ لكن الزحف على "تادرت" كان مخططا له ومحضرا منذ عدة أسابيع، وكان يُنظر إليه كأول خطوة في عملية التطهير المنهجي لمنطقة الشاوية، فلماذا، أمام الصعوبات التي بدأت تظهر والتأخير في التنفيذ، باتت هذه العملية مهددة بأن تصبح نقطة النهاية للحملة؟
كان الجنرال قد عقد العزم لأول مرة على تنفيذ العملية في 29 غشت؛ لكن في اليوم السابق، اندلعت بشكل غير متوقع الواقعة الساخنة في دار بوعزة، حينها غير الجنرال رأيه، معتبرا أنه من التهور الذهاب لمهاجمة خصوم كهؤلاء على بعد 10 كيلومترات خارج نطاق حماية مدافع الأسطول البحري، بناء على ذلك، طُلبت تعزيزات (كتيبتان) من باريس، وأُرسلت كتيبتان من "اللفيف الأجنبي" على وجه السرعة، حيث وصلتا إلى الدار البيضاء في 2 شتنبر، وهكذا، تقَرَّر تنفيذ العملية في 8 شتنبر؛ لكن الجنرال، الذي بدا قلقا ومهموما في اليوم السابق، أُصيب بنوبة حمى أجبرته على تأجيل العملية التي بدا، لسبب ما، أنه يخشى خوضها.
في يوم 10 شتنبر، وبعد تعافيه من وعكته الصحية، أمر بأن تخرج قوة استطلاع في اليوم التالي (11 شتنبر) لاستكشاف الطريق المؤدي إلى تادرت نفسها، ولكن لمسافة كيلومترات قليلة فقط، وحدد مزرعة ألفاريز كأقصى حد للوصول، كان من المفترض في البداية أن تضم القوة ست سرايا تحت قيادة عقيد تلقى أوامر صارمة بعدم تجاوز المزرعة، وقبل كل شيء، عدم الانجرار خلف الاستدراج؛ لكن في المساء، قرر الجنرال رفع قوة الرتل إلى عشر سرايا ومرافقة الاستطلاع بنفسه؛ فقد أراد أن يكون متأكدا من أن أوامره لن تخالف.
واقعة تادرت الأولى، في 11 سبتمبر، عند الساعة السادسة والنصف صباحا، انطلق الرتل الأول تحت قيادة الرائد "باسار"، وكان يضم كتيبة مشاة (من اللفيف والرماة)، وفصيلة مدفعية جبلية عيار 80 مم، وفصيلة مدفعية عيار 75 مم، وفصيلتين من المدافع الرشاشة، كان الرتل محميا من جهة اليسار بـ قناصة أفريقيا، بينما تولى "الكوم" والصبايحية مهمة الاستكشاف الأمامي، أما الرتل الثاني، تحت قيادة العقيد "ديو"، فقد انطلق في تمام الساعة السابعة، وكان يضم ست سرايا من المشاة وثلاث فصائل مدفعية عيار 75 مم، وكان الجنرال يسير معها، إجمالا، تألف الرتل من عشر سرايا، وثماني قطع مدفعية عيار 75، وقطعتين عيار 80، وثلاثة أسراب خيالة، بالإضافة إلى الخدمات الصحية وبغال المحفات (cacolets).
عند لحظة الانطلاق، كانت المنطقة غارقة تماما تقريبا في الضباب، تقدمت قواتنا في أمان، وعندما وصلت إلى مزرعة ألفاريز، لم تكن قد اضطرت لإطلاق رصاصة واحدة، لم يكن هناك أي إشارة لوجود العدو، ولكن بعد فترة وجيزة، اندلع إطلاق نار كثيف؛ فقد اشتبك "الكوم" (فرساننا المحليون) مع طليعة مستطلعي العدو.
أما رتل الرائد "باسار"، الذي كان قد توقف بانتظار الرتل الثاني، فقد اندفع بسرعة إلى الأمام ووصل إلى قمة آخر تلة تحد أفق الدار البيضاء، في اللحظة التي بدأ فيها الضباب يتبدد نهائيا، حينها، ظهر على بعد كيلومترين تقريبا، في قعر واد صغير، معسكر تادرت!
أمر الرائد "باسار" بالتوقف فورا، بينما بدأت مدفعيته بفتح النار على معسكر العدو، واقترب الرتل الثاني بأقصى سرعة لدمج نيرانه مع نيران الرتل الأول، وبعد لحظات قليلة، شوهد تصاعد عمود ضخم من الدخان من خلف التلة، مما كشف عن اندلاع حريق هائل، حينها، أصدر الجنرال أمره للمشاة بالتقدم نحو الأمام.
ومع ذلك، لم تكن جموع المغاربة قد ظهرت بعد لم يبد أنهم عازمون على الخروج لملاقاة الرتل؛ ففي الواقع، سارع جزء منهم، بمجرد رؤيتهم للقوات، إلى الفرار عبر المعسكر الشاسع، محاولين إنقاذ كل ما يمكن إنقاذه، أما الباقون، الذين لم يتجاوز عددهم 3000 مقاتل، وبكل ما أوتوا من عناد وكبرياء، فقد اندفعوا نحو مربعاتنا ونحو مدفعيتنا، فتكبدوا خسائر هائلة، أما بالنسبة لنا، فلم تكلفنا العملية برمتها سوى قتيل واحد وستة جرحى.
كان المعسكر المغربي، الذي يضم تجمعا لنحو ستمائة خيمة، مقاما في منخفض (حوض) شكلته مستنقعات قديمة، ويمتد على مساحة 1500 متر تقريبا، ولم تكن هناك قرية ولا قصبة ولا أي تجمع سكني دائم في الجوار، بل كانت تنتصب هناك ثلاث أضرحة (مرابطون) فقط.
اندفع مشاة الرائد "باسار" بسرعة وسط الخيام واجتازوها مطاردين العرب الذين كانوا يتسلقون القمم المقابلة، بينما كانت المدفعية تحصد صفوفا طويلة من الفارين ودواب الحمل، احتلت قواتنا التلال المحيطة بالمعسكر وتمركزت هناك لمدة ساعة لتأكيد الاستيلاء عليه، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا، قامت الخيالة بتشتيت الفارين، بينما أجهز "الكوم" على ما تبقى من المعسكر بإحراقه.
قسم من مدافع عيار 75 وهو في وضع القتال، حيث تم في بعض المعارك إطلاق ما يزيد عن 150 قذيفة لكل مدفع
في تلك اللحظة، حاول المغاربة، الذين أعادوا تشكيل عدة مجموعات منهم، القيام بهجوم مضاد هجوم مضاد من جهة اليسار، لكنهم تشتتوا سريعا بفعل المدفعية ونيران مشاتنا، وهكذا، تم مباغتة معسكر تادرت وتدميره، لكن لم يتم أسر أولئك الذين كانوا يشكلونه، ومرة أخرى، اكتفت قواتنا بدفع عصابات المغاربة أمامها وإحراق خيامهم.
نحو منتصف النهار، عادت القوات إلى الدار البيضاء حيث وصلت حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، بعد أن اضطرت لصد هجوم خفيف على جانبها الأيمن من قِبل مجموعات قادمة من الشرق.
طوال مدة عملية الاستطلاع، ظل معسكرنا يخضع لحراسة مشددة، كما عززت قوات المراقبة المتمركزة على التلة بفصيلة مدفعية عيار 75 مم، وبالفعل، فبمجرد سماع دوي المدافع من جهة تادرت، اتجهت حشود قبائل تيط مليل وسيدي إبراهيم نحو الدار البيضاء وحاولت شن هجوم عنيف ضد تلة معسكرنا، لكنهم أوقفوا تباعا بنيران مدافع سفينتي "غلواغ" (la Gloire) و"غيدون" (Gueydon)، وبطلقات بنادق ثلاث سرايا من اللفيف والرماة، وبواسطة فصيلة مدفعية 75 مم التي أطلقت في ذلك الصباح أكثر من مئة وخمسين قذيفة لكل مدفع، وتوقف إطلاق النار نحو الساعة الواحدة بعد الظهر.
لسوء الحظ، سرعان ما تبين أنه لا يمكن إجراء أي حوار جدي مع المناديب المغاربة الأربعة، الذين لم تكن لديهم أي صفة رسمية للمضي قدما في مفاوضات تهدئة شاملة، لذا كان من الضروري صرفهم، مع إلزامهم بالوعد بالعودة في 19 سبتمبر بعدد أكبر ومعهم كامل الصلاحيات، وعدوا بكل ما طلب منهم، ومن جانبه، منح الجنرال هدنة حتى يوم 19.



