المولى الرشيد بن الشريف (1666–1672م)

 

الرشيد بن الشريف


 المولى الرشيد بن الشريف يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المؤسس الفعلي والموحد الأول للمملكة الشريفة تحت لواء الدولة العلوية في فترة زمنية حرجة من تاريخ المغرب الأقصى.

I. مدخل تاريخي: المغرب الأقصى في متاهة القرن السابع عشر

شهدت فترة منتصف القرن السابع عشر الميلادي (العاشر والحادي عشر الهجريين) مرحلة شديدة من التفتت السياسي والاجتماعي في المغرب الأقصى، عُرفت تاريخياً بـ "زمن السيبة" أو الفوضى، والتي وفرت الخلفية الحتمية لبروز حركة توحيدية جديدة ممثلة في الأشراف العلويين.

1.1. انهيار المخزن السعدي وتفتيت السلطة

بعد تدهور الدولة السعدية، ساد المغرب حالة من الوهن وغياب للسلطة المركزية، والتي كانت نتاجاً مباشراً للتفرقة ودخول الإخوة السعديين في نزاعات مستمرة على الحكم. هذا التفكك قاد البلاد إلى حالة من "الحروب الأهلية وعدم الاستقرار" ، حيث انتشر النهب والقتل في الطرق، واختفت الطمأنينة عن العباد.

في ظل هذا الفراغ، بدأت الكثير من القوى المحلية والإقليمية، وعلى رأسها الزوايا الدينية، بفرض حكمها على مناطق نفوذها. كانت هذه الزوايا، مثل الزاوية الدلائية التي أسست سلطتها في الأطلس المتوسط، وإمارة إليغ السملالية التي تأسست على يد أبو حسون السملالي سنة 1031 هـ ، تملأ الفراغ وتتحول من مراكز علمية ودينية إلى قوى سياسية وعسكرية تنافس على الشرعية. كما شهدت البلاد تدهوراً في الحياة العلمية والفكرية منذ أواخر العهد المريني، رغم أن القرى والأرياف لم تخل من مساجد وزوايا كانت لا تزال تقدم مبادئ العلم والدين.

إن انتقال حكم الزوايا إلى السلطة لم يكن ممكنا على المدى الطويل، إذ فشلت هذه القوى، خاصة الدلائية، في تجاوز هويتها الإقليمية أو الدينية الضيقة. ولذلك، قدم المولى الرشيد، الذي تمتع بشرعية النسب الشريف الحسني ، والقسوة العسكرية اللازمة، نفسه كخيار وحيد لإنهاء حالة الفوضى والقضاء على "ذوي المصالح الشخصية"  الذين كانوا يستغلون التشتت. هذا التباين بين النفوذ الإقليمي للزوايا وقدرة العلويين على تقديم شرعية جامعة، هو ما سهّل عملية التوحيد القسري والسريع التي قام بها الرشيد.

1.2. نشأة الحركة العلوية في تافيلالت

بدأت الأسرة العلوية الفيلالية حركتها من منطقة تافيلالت في الجنوب الشرقي، معتمدة على نسبها الشريف لإضفاء شرعية دينية تتفوق على الشرعية القبلية أو الإقليمية للزوايا. ولد المولى الرشيد، واسمه الكامل أبو العز الرشيد بن الشريف بن علي بن الحسن بن محمد الداخل الحسني، في سجلماسة سنة 1040 هجرية الموافق 1629 ميلادية. 

كان والده، الشريف بن علي، أميراً لتافيلالت في الفترة بين 1631 و1635م ، ثم خلفه أخوه محمد الأول الذي حكم من 1635 إلى 1664م. مثلت هذه المرحلة الأولية في تافيلالت نواة الحكم العلوي قبل أن ينطلق المولى الرشيد لتأسيس الدولة المركزية.

إن اختيار المولى الرشيد لفاس كأول عاصمة لحكمه (1666م) ، على الرغم من انطلاقته من الجنوب (تافيلالت)، لم يكن اعتباطياً. بل كان يمثل إعلاناً بانتهاء المرحلة الإقليمية والبدء في مرحلة الدولة المركزية. كان لا بد من تثبيت الحكم في الشمال، حيث المعاقل التقليدية للسلطة، لضمان الشرعية العلمية والسياسية في مواجهة الدلائيين.

II. المسار السياسي وبداية التأسيس (1664 – 1666م)

عقب وفاة أخيه المولى محمد بن الشريف، تبوأ المولى الرشيد عرش الملك في أوائل ربيع الثاني 1075 هجرية (1664م). إلا أن فترة حكمه الفعلي كسلطان موحد بدأت مع دخوله فاس عام 1666م. كانت هذه الفترة الانتقالية قصيرة ولكنها حاسمة في تثبيت أركان دولته الناشئة.

2.1. توليه القيادة والانطلاق

بدأ الرشيد تحركه الاستراتيجي من تافيلالت متجهاً نحو الشمال، حاملاً معه مشروع توحيد البلاد، قام بإرسال رسله إلى الآفاق يحملون رسائل "بالأعذار والإنذار، والوعد والوعيد لأهل الطاعة والعصيان" ، مؤكداً على أنه يسعى لتوحيد كلمة المغاربة.

2.2. معركة تازة وبوابة الشمال

كانت مدينة تازة ذات أهمية استراتيجية قصوى، لكونها بوابة المغرب الشرقي والشمالي. استقر فيها المولى الرشيد مراراً لتنظيم صفوفه وتعزيز موقعه السلطاني، تمكن من التقدم إلى تازة واقتحامها بعد محاربة طويلة، وحظي بمبايعة أهلها والقبائل المجاورة، ومن تازة، انطلق بعدها لمنازلة الشيخ أعراص بالريف، وتمكن من هزيمته والقبض عليه، ثم عفا عنه وأطلق سراحه. 

واجه المولى الرشيد مقاومة شرسة من أهل فاس وأحلافهم من الحييانة الذين سعوا لقتاله "ليكون ذلك كاسرا لشوكة". وعلى الرغم من تفرق كلمتهم، إلا أن محاولات فاس للحصار استمرت. فقد حاصر فاس في صفر 1076 هـ (غشت–شتنبر 1665م) وقاتلهم ثلاثة أيام، أصيب خلالها برصاصة في طرف إذنه، ثم رجع إلى تازة.

2.3. تتويج الحملة: دخول فاس (1666م)

بعد أن قضى على مقاومة الزعماء المحليين، عاد المولى الرشيد إلى فاس التي كان يحبها. تمكن من دخولها في ذي القعدة 1076 هـ (ماي–يونيو 1665م) ، أو في عام 1666م، حيث أصبحت المدينة أول عاصمة علوية (1666–1672م). شكل دخوله فاس إعلانا رسميا لولادة الدولة العلوية المركزية، وقام بعدها بتصفية المعارضين، مما ثبت بيعته الكبرى. 

III. حملة التوحيد الكبرى: استراتيجية إخضاع القوى المتنافسة (1666 – 1672م)

كرس المولى الرشيد فترة حكمه القصيرة لإخضاع المراكز القوية التي كانت تتنافس على السلطة في المغرب، ساعيا لإنهاء الفوضى، كان منهجه العسكري يتسم بالسرعة والقوة لتأسيس الوحدة القسرية.

3.1. القضاء على الزاوية الدلائية

كانت الزاوية الدلائية تمثل المنافس الأيديولوجي والعسكري الأبرز للسلطة العلوية الناشئة، أدرك المولى الرشيد أن التوحيد لن يتم إلا بالقضاء على هذا التهديد المركزي، استهدف الرشيد الزاوية الدلائية وتمكن من هزيمتها في معركة بطن الرمان الشهيرة، ليسقط معقل الزاوية بيده في 18 يونيو 1668م. 

شكلت هذه المعركة نهاية النفوذ السياسي للزاوية الدلائية ، ونتج عنها توسع نفوذ المولى الرشيد إلى الساحل الأطلسي،إن البدء بالخطر الأيديولوجي الأكبر (الدلائيون 1668م) قبل الانشغال بالقوى الإقليمية في الجنوب، يظهر فكرا استراتيجيا عميقا في إدارة الصراع، بعد تحييد الخطر الذي كان ينافس على شرعية حكم الوسط والشمال، تفرغ الرشيد لضم المراكز الاقتصادية والسياسية الأخرى.  

3.2. استكمال توحيد الجنوب وإخضاع الإمارات

استمرت حملات الرشيد في التوسع حتى وصل إلى أقصى الجنوب، وفي عام 1670م، تم الاستيلاء على قلعة إليغ، المعقل الرئيس لإمارة السملاليين، وتم طرد ورثة أبي حسون السملالي إلى الصحراء.

كما أنهى المولى الرشيد حكم الشبانات، وهم بقايا الدولة السعدية، في مدينة مراكش، كانت المدينة تحت نفوذ أبي بكر الشباني. بذلك، اكتمل توحيد المراكز الحضرية الكبرى في المغرب، من فاس في الشمال إلى مراكش في الجنوب.  

لقد أثمرت هذه الحملات توحيد المغرب أسره، حيث سيطر على البلاد "قطرا بعد قطر إلى واد نون من السوس الأقصى". وكانت النتيجة المباشرة هي استتباب الأمن، حيث "هدنت البلاد واستعفت العباد وانقطع النهب والقتل في الطرق وآمنت".

3.3. التوجه نحو الجهاد البحري والسيادة الخارجية

لم يغفل المولى الرشيد الجانب الخارجي، فركز على حماية مصالح الدولة الناشئة، فقد احتضن حركة الجهاد البحري النشيطة التي كانت تنطلق من جمهورية سلا الموريسكية، وكان دعمه لهذا الجهاد له دوافع دينية ومادية، فقد كان يستخلص إتاوات معلومة من القراصنة ومجاهدي البحر مقابل عدم مضايقة حركتهم.

إن استغلال حركة الجهاد البحري وتوجيهها لخدمة المخزن (من خلال جمع الإتاوات) يؤكد البراغماتية الاقتصادية للمؤسس، كانت الدولة الناشئة بحاجة ماسة إلى موارد لتمويل جيشها وبنيتها الإدارية، وتوفير التمويل اللازم لبناء الدولة دون الاعتماد الكامل على الضرائب الداخلية المرهقة في بداية التوحيد كان أمرا حاسما.

أما على الصعيد الأوروبي، فقد كانت العلاقات مع قوى مثل جمهورية جنوة متوترة بسبب الصراع بين دار الإسلام ودار الحرب، وقد سعى المولى الرشيد لاسترداد طنجة التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي، ولكنه توفي قبل أن يتمكن من تحريرها.

IV. بناء المؤسسات: الإصلاحات الإدارية والثقافية القصيرة الأمد

على الرغم من أن حكم المولى الرشيد لم يدم سوى ست سنوات كسلطان موحد، إلا أنه أظهر رؤية مؤسساتية تتجاوز مجرد التوحيد العسكري، فقد بدأ في وضع اللبنات الأساسية للمخزن العلوي ونظامه الإداري والتعليمي.

4.1. وضع الأسس الإدارية للمخزن

أدرك الرشيد أن التوحيد العسكري يجب أن يُدعَم بهيكل إداري مستدام، لذا، بدأ في تأسيس "التنظيم المخزني الجديد"  بهدف بناء نظام حكم صارم يحمي الدولة من الداخل ويدير شؤونها. كانت هذه الإصلاحات تهدف إلى ترسيخ فكرة أن السلطة العلوية الشريفة "محترمة ومعززة وفوق أي سلطة في البلاد". 

شمل التنظيم الجديد استحداث مناصب وزارية متخصصة، منها رئيس الوزراء، وأمير البحر، ووزير الحربية، وأمين الأمناء، بالإضافة إلى كاتب الشكايات الذي تطور لاحقاً ليصبح قاضي القضاة ثم وزير العدلية. هذه الخطوة مثلت تطوراً هاماً في البنية الإدارية نحو تخصصية أكبر في تسيير شؤون الدولة، مما يضمن الاستقرار الإداري ويساعد على ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة. 

إن بدء إصلاحات المخزن وإنشاء هذه الهياكل الإدارية في خضم حملات عسكرية مستمرة (1668-1670) يكشف عن رؤية دولة بعيدة المدى. كان الهدف هو استقطاب النخبة الإدارية والعلمية لتعزيز الشرعية العلوية مقابل الشرعية الزاوية التي قضي عليها، فالمؤسس أدرك أن الوحدة العسكرية يجب أن تتبعها وحدة مؤسساتية. هذه الهياكل هي التي ورثها أخوه المولى إسماعيل، مما سهل عليه التركيز على بناء الجيش المنظم واستكمال التوحيد الخارجي لاحقاً. 

4.2. رعاية العلم والثقافة

إلى جانب دوره كمحارب وموحد، يُشهد للمولى الرشيد بأنه أعطى للمغرب "قيمة للعلماء والعلم". كان هذا الالتزام ضرورة لتعزيز الشرعية الشريفة في فاس، التي كانت مركزاً علمياً عريقاً. 

أهم الإنجازات الثقافية التي تُنسب إليه هو تأسيس مدرسة الشراطين بفاس عام 1670م. لم تكن هذه المدرسة مجرد مكان للتعليم، بل كانت صرحاً يهدف إلى تخريج كوادر علمية وإدارية للدولة، حيث كان الطلاب يُهلّون ليكونوا "علماء وقضاة وأئمة في مختلف مناطق المغرب".  

كما تشير بعض الروايات إلى اهتمام مبكر بالتعايش الديني، حيث كلف السلطان ببناء كنيس مشهور (كنيس ابن دنان) في قلب الملاح بفاس، بعد شهرين من تدمير الزاوية الدلائية. يمثل هذا دليلاً على رؤية الدولة العلوية الناشئة في احتضان المكونات الدينية داخل حدودها. 

إن السيطرة العلوية على المراكز الحضرية الكبرى واستتباب الأمن على الطرق (انقطاع النهب والقتل) ، سمح بتنشيط التجارة وتوفير "راحة وطمأنينة"، وهو الأمر الذي يمهد الطريق للمغرب ليصبح "مؤسس المغرب الحديث المنفتح على التجارة الخارجية" لاحقاً في عهد خلفائه. 


V. الوفاة والإرث التأسيسي: التقييم التاريخي

انتهت مسيرة المولى الرشيد الحافلة بالتوحيد فجأة في حادث عرضي، لكن إرثه ظل الأساس الذي بُنيت عليه الدولة العلوية العظمى.

5.1. الوفاة المفاجئة في مراكش

توفي المولى الرشيد في مراكش سنة 1082 هجرية، الموافق 1672 ميلادية، وتحديدا، كانت الوفاة في اليوم الثاني من عيد الأضحى (الموافق 9 أبريل 1672م)، كانت ظروف الوفاة مفجعة؛ حيث سقط السلطان عن صهوة جواده (المريرة) في أحد بساتين أكدال بمراكش واصطدم رأسه بغصن شجرة نارونج، مما أدى لوفاته عن عمر يناهز 42 عاما. 

دُفن المولى الرشيد في مدينة فاس بجوار ضريح الشيخ سيدي علي حرزهم. وخلفه على الحكم أخوه السلطان مولاي إسماعيل، الذي كان خليفته على مكناس حينها، وتولى الحكم وهو في السابعة والعشرين من عمره. 

5.2. الإرث كـ "موحد البلاد" والمؤسس الأول

يُعد المولى الرشيد بلا منازع "أول سلطان علوي حكم المغرب"  و "المؤسس الأول للدولة العلوية". لقد قام بمجهود جبّار في توحيد كلمة المغاربة والقضاء على الثائرين في ظرف وجيز للغاية، مما يعكس حالة الوهن والإنهاك التي كانت عليها البلاد قبل وصوله. تمثل أهمية حكمه في إخراجه المغرب من حالة عدم الاستقرار والحروب الأهلية إلى حالة من الاستقرار والراحة والطمأنينة.

يُجمع التحليل التاريخي على أن السنوات الست التي قضاها المولى الرشيد في حكم المغرب الأقصى (1666–1672م) كانت أكثر فترة حاسمة في التاريخ العلوي. لقد أرسى خلالها دعائم الدولة الجديدة، ليس فقط من خلال النصر العسكري الساحق على القوى المحلية المتنافسة (الزوايا الدلائية والسملالية والشبانات)، بل أيضاً من خلال رؤيته المؤسساتية المبكرة.

لقد قام المولى الرشيد بإعادة تأسيس المخزن كنظام سياسي مركزي وشرعي، حيث وضع الأسس الإدارية والوزارية التي ضمنت استمرار تخصص السلطة. كما أكد على دور العلم والعلماء في تعزيز الشرعية، ويتجسد ذلك في تأسيس مدرسة الشراطين بفاس.

يمثل إرث المولى الرشيد جسراً حيوياً بين فترة التفكك والفوضى التي سادت في القرن السابع عشر، وعهد القوة والازدهار العسكري والإداري الذي جسده أخوه المولى إسماعيل. لولا التوحيد القسري والسريع الذي فرضه الرشيد، وتركيزه على تصفية كل مراكز النفوذ الداخلي ، لما كانت هناك قاعدة صلبة يمكن للمولى إسماعيل أن ينطلق منها لتأسيس الإمبراطورية العلوية بحدودها التاريخية الواسعة. في المحصلة، كان المولى الرشيد هو المهندس العسكري الذي رسم حدود الدولة الجديدة بالحديد والنار، قبل أن يتمكن خلفه من تحويل هذا التوحيد إلى استقرار دائم.   

إرسال تعليق

أحدث أقدم