I. مدخل تاريخي: المغرب الأقصى في متاهة القرن السابع عشر
شهدت فترة منتصف القرن السابع عشر الميلادي (العاشر والحادي عشر الهجريين) مرحلة شديدة من التفتت السياسي والاجتماعي في المغرب الأقصى، عُرفت تاريخياً بـ "زمن السيبة" أو الفوضى، والتي وفرت الخلفية الحتمية لبروز حركة توحيدية جديدة ممثلة في الأشراف العلويين.
1.1. انهيار المخزن السعدي وتفتيت السلطة
بعد تدهور الدولة السعدية، ساد المغرب حالة من الوهن وغياب للسلطة المركزية، والتي كانت نتاجاً مباشراً للتفرقة ودخول الإخوة السعديين في نزاعات مستمرة على الحكم.
في ظل هذا الفراغ، بدأت الكثير من القوى المحلية والإقليمية، وعلى رأسها الزوايا الدينية، بفرض حكمها على مناطق نفوذها.
إن انتقال حكم الزوايا إلى السلطة لم يكن ممكنا على المدى الطويل، إذ فشلت هذه القوى، خاصة الدلائية، في تجاوز هويتها الإقليمية أو الدينية الضيقة. ولذلك، قدم المولى الرشيد، الذي تمتع بشرعية النسب الشريف الحسني
1.2. نشأة الحركة العلوية في تافيلالت
بدأت الأسرة العلوية الفيلالية حركتها من منطقة تافيلالت في الجنوب الشرقي، معتمدة على نسبها الشريف لإضفاء شرعية دينية تتفوق على الشرعية القبلية أو الإقليمية للزوايا. ولد المولى الرشيد، واسمه الكامل أبو العز الرشيد بن الشريف بن علي بن الحسن بن محمد الداخل الحسني، في سجلماسة سنة 1040 هجرية الموافق 1629 ميلادية.
كان والده، الشريف بن علي، أميراً لتافيلالت في الفترة بين 1631 و1635م
إن اختيار المولى الرشيد لفاس كأول عاصمة لحكمه (1666م)
II. المسار السياسي وبداية التأسيس (1664 – 1666م)
عقب وفاة أخيه المولى محمد بن الشريف، تبوأ المولى الرشيد عرش الملك في أوائل ربيع الثاني 1075 هجرية (1664م).
2.1. توليه القيادة والانطلاق
بدأ الرشيد تحركه الاستراتيجي من تافيلالت متجهاً نحو الشمال
2.2. معركة تازة وبوابة الشمال
كانت مدينة تازة ذات أهمية استراتيجية قصوى، لكونها بوابة المغرب الشرقي والشمالي. استقر فيها المولى الرشيد مراراً لتنظيم صفوفه وتعزيز موقعه السلطاني،
واجه المولى الرشيد مقاومة شرسة من أهل فاس وأحلافهم من الحييانة الذين سعوا لقتاله "ليكون ذلك كاسرا لشوكة".
2.3. تتويج الحملة: دخول فاس (1666م)
بعد أن قضى على مقاومة الزعماء المحليين، عاد المولى الرشيد إلى فاس التي كان يحبها.
III. حملة التوحيد الكبرى: استراتيجية إخضاع القوى المتنافسة (1666 – 1672م)
كرس المولى الرشيد فترة حكمه القصيرة لإخضاع المراكز القوية التي كانت تتنافس على السلطة في المغرب، ساعيا لإنهاء الفوضى،
3.1. القضاء على الزاوية الدلائية
كانت الزاوية الدلائية تمثل المنافس الأيديولوجي والعسكري الأبرز للسلطة العلوية الناشئة، أدرك المولى الرشيد أن التوحيد لن يتم إلا بالقضاء على هذا التهديد المركزي، استهدف الرشيد الزاوية الدلائية وتمكن من هزيمتها في معركة بطن الرمان الشهيرة، ليسقط معقل الزاوية بيده في 18 يونيو 1668م.
شكلت هذه المعركة نهاية النفوذ السياسي للزاوية الدلائية
3.2. استكمال توحيد الجنوب وإخضاع الإمارات
استمرت حملات الرشيد في التوسع حتى وصل إلى أقصى الجنوب، وفي عام 1670م، تم الاستيلاء على قلعة إليغ، المعقل الرئيس لإمارة السملاليين، وتم طرد ورثة أبي حسون السملالي إلى الصحراء.
كما أنهى المولى الرشيد حكم الشبانات، وهم بقايا الدولة السعدية، في مدينة مراكش، كانت المدينة تحت نفوذ أبي بكر الشباني. بذلك، اكتمل توحيد المراكز الحضرية الكبرى في المغرب، من فاس في الشمال إلى مراكش في الجنوب.
لقد أثمرت هذه الحملات توحيد المغرب أسره، حيث سيطر على البلاد "قطرا بعد قطر إلى واد نون من السوس الأقصى".
3.3. التوجه نحو الجهاد البحري والسيادة الخارجية
لم يغفل المولى الرشيد الجانب الخارجي، فركز على حماية مصالح الدولة الناشئة، فقد احتضن حركة الجهاد البحري النشيطة التي كانت تنطلق من جمهورية سلا الموريسكية، وكان دعمه لهذا الجهاد له دوافع دينية ومادية، فقد كان يستخلص إتاوات معلومة من القراصنة ومجاهدي البحر مقابل عدم مضايقة حركتهم.
إن استغلال حركة الجهاد البحري وتوجيهها لخدمة المخزن (من خلال جمع الإتاوات) يؤكد البراغماتية الاقتصادية للمؤسس، كانت الدولة الناشئة بحاجة ماسة إلى موارد لتمويل جيشها وبنيتها الإدارية، وتوفير التمويل اللازم لبناء الدولة دون الاعتماد الكامل على الضرائب الداخلية المرهقة في بداية التوحيد كان أمرا حاسما.
أما على الصعيد الأوروبي، فقد كانت العلاقات مع قوى مثل جمهورية جنوة متوترة بسبب الصراع بين دار الإسلام ودار الحرب، وقد سعى المولى الرشيد لاسترداد طنجة التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي، ولكنه توفي قبل أن يتمكن من تحريرها.
IV. بناء المؤسسات: الإصلاحات الإدارية والثقافية القصيرة الأمد
على الرغم من أن حكم المولى الرشيد لم يدم سوى ست سنوات كسلطان موحد، إلا أنه أظهر رؤية مؤسساتية تتجاوز مجرد التوحيد العسكري، فقد بدأ في وضع اللبنات الأساسية للمخزن العلوي ونظامه الإداري والتعليمي.
4.1. وضع الأسس الإدارية للمخزن
أدرك الرشيد أن التوحيد العسكري يجب أن يُدعَم بهيكل إداري مستدام، لذا، بدأ في تأسيس "التنظيم المخزني الجديد"
شمل التنظيم الجديد استحداث مناصب وزارية متخصصة، منها رئيس الوزراء، وأمير البحر، ووزير الحربية، وأمين الأمناء، بالإضافة إلى كاتب الشكايات الذي تطور لاحقاً ليصبح قاضي القضاة ثم وزير العدلية.
إن بدء إصلاحات المخزن وإنشاء هذه الهياكل الإدارية في خضم حملات عسكرية مستمرة (1668-1670) يكشف عن رؤية دولة بعيدة المدى. كان الهدف هو استقطاب النخبة الإدارية والعلمية لتعزيز الشرعية العلوية مقابل الشرعية الزاوية التي قضي عليها، فالمؤسس أدرك أن الوحدة العسكرية يجب أن تتبعها وحدة مؤسساتية. هذه الهياكل هي التي ورثها أخوه المولى إسماعيل، مما سهل عليه التركيز على بناء الجيش المنظم واستكمال التوحيد الخارجي لاحقاً.
4.2. رعاية العلم والثقافة
إلى جانب دوره كمحارب وموحد، يُشهد للمولى الرشيد بأنه أعطى للمغرب "قيمة للعلماء والعلم".
أهم الإنجازات الثقافية التي تُنسب إليه هو تأسيس مدرسة الشراطين بفاس عام 1670م.
كما تشير بعض الروايات إلى اهتمام مبكر بالتعايش الديني، حيث كلف السلطان ببناء كنيس مشهور (كنيس ابن دنان) في قلب الملاح بفاس، بعد شهرين من تدمير الزاوية الدلائية.
إن السيطرة العلوية على المراكز الحضرية الكبرى واستتباب الأمن على الطرق (انقطاع النهب والقتل)
V. الوفاة والإرث التأسيسي: التقييم التاريخي
انتهت مسيرة المولى الرشيد الحافلة بالتوحيد فجأة في حادث عرضي، لكن إرثه ظل الأساس الذي بُنيت عليه الدولة العلوية العظمى.
5.1. الوفاة المفاجئة في مراكش
توفي المولى الرشيد في مراكش سنة 1082 هجرية، الموافق 1672 ميلادية،
دُفن المولى الرشيد في مدينة فاس بجوار ضريح الشيخ سيدي علي حرزهم.
5.2. الإرث كـ "موحد البلاد" والمؤسس الأول
يُعد المولى الرشيد بلا منازع "أول سلطان علوي حكم المغرب"
يُجمع التحليل التاريخي على أن السنوات الست التي قضاها المولى الرشيد في حكم المغرب الأقصى (1666–1672م) كانت أكثر فترة حاسمة في التاريخ العلوي. لقد أرسى خلالها دعائم الدولة الجديدة، ليس فقط من خلال النصر العسكري الساحق على القوى المحلية المتنافسة (الزوايا الدلائية والسملالية والشبانات)، بل أيضاً من خلال رؤيته المؤسساتية المبكرة.
لقد قام المولى الرشيد بإعادة تأسيس المخزن كنظام سياسي مركزي وشرعي، حيث وضع الأسس الإدارية والوزارية التي ضمنت استمرار تخصص السلطة.
يمثل إرث المولى الرشيد جسراً حيوياً بين فترة التفكك والفوضى التي سادت في القرن السابع عشر، وعهد القوة والازدهار العسكري والإداري الذي جسده أخوه المولى إسماعيل. لولا التوحيد القسري والسريع الذي فرضه الرشيد، وتركيزه على تصفية كل مراكز النفوذ الداخلي
