صفحات من مؤلف عَبْرَ أراضي الشاوية مع فيلق الإنزال العسكري في الدار البيضاء (1907–1908) - 1

عَبْرَ أراضي الشاوية



تعد كتابة التاريخ مهمة جليلة، ولكن حفظه ونشره بين الناس مهمة لا تقل أهمية، وانطلاقا من هذا الإيمان، نضع بين أيدي القارئ الكريم الترجمة العربية الأولى  للمؤلف "عبر أراضي الشاوية مع فيلق الإنزال العسكري في الدار البيضاء (1907-1908)"، لمؤلفه الجنرال ألبير داماد.
ويأتي هذا العمل لاعتبارات ثلاثة رئيسية:
  • أولا   - للوقوف على المكانة الخاصة لهذا الوثيقة في حفظ تاريخ منطقة الشاوية في تلك الحقبة الحاسمة.
  • ثانيا   -  لسد النقص في المكتبة العربية بسبب عدم ترجمة هذا النص من قبل.
  • وثالثا - وهو الأمر الأهم - لمعرفة الآلية التي كان يرى ويصوّر بها الأجنبي المغرب وأهله، من خلال مرآة الحدث العسكري.
هذا هو الجزء الأول الذي استطعت ترجمته من المؤلف الذي سماه كاتبه À travers la Chaouïa avec la colonne de débarquement de Casablanca (1907-1908)، على أمل أن تتبعته الأجزاء الباقية في القريب العاجل.

الفصل الأول: التدخل الفرنسي في الدار البيضاء

لمحة عن الوضع السياسي لفرنسا في المغرب. — مذبحة ونهب الدار البيضاء (يوليوز 1907). — أسبابها. — مؤامرة مغربية. — وصول سفينة غالِيلي. — إنزال البحارة. — الضابط بالاند وتربص الدوانة. — قصف المدينة. — وصول القوات البحرية وقوات الجنرال درود. — احتلال المدينة. — المعسكرات.

كان تدخل قواتنا في الدار البيضاء مدفوعًا بالمأساة التي وقعت أمام هذه المدينة يوم 30 يوليوز 1907 والتي أودت بحياة عدد من العمال التابعين للشركة الفرنسية المكلفة بأشغال الميناء؛ غير أن هذا الحادث لم يكن الأخير من نوعه: فقد اضطر الفرنسيون، منذ سنوات، إلى تحمل نتائج التعصب وعداء المغاربة دون أن تتخذ الحكومة الضعيفة، وربما المتواطئة، ما يلزم لحمايتهم.

إذن، لم تكن مأساة 30 يوليوز نتيجة للصدفة بل كانت نتيجة تطوّر طبيعي تمامًا: فالعربي، سواء كان مغربيًا أو جزائريًا، يحمل في قلبه كراهية عميقة للأجنبي، "الرويمي"، الذي يراه عدوًا لدينه ولسلالته. فإذا جاءت مؤثرات ما أو أحداث معيّنة لتذكي أو توقظ هذه الكراهية، هاجم عندئذٍ دون التفكير في العواقب التي قد تنتج عن ذلك؛ وهذا ما وقع في الدار البيضاء.

لكن لفهم حجم هذا الهجوم، ينبغي التذكير في بضع كلمات بما كانت عليه وضعية فرنسا تجاه المغرب يوم وقع الاصطدام الدامي.

بعد كثرة التجاوزات والجرائم المرتكبة منذ سنوات ضد الفرنسيين في التراب المغربي، ولتلبية المطالب المتكررة المتعلقة بالقمع أو التعويض، وقّع المخزن مع فرنسا اتفاقي 1901 و1902. واعتمادًا على هذين الاتفاقين، أبرمت فرنسا في أبريل 1904 اتفاقًا مع إنجلترا، وفي أكتوبر من السنة نفسها مع إسبانيا، وهي تفاهمات سمحت بالأمل في إيجاد حل منسجم مع مصالحنا المشروعة. وكان يبدو أن هاتين القوتين، الوحيدتين القادرتين على معارضة فرنسا، تعترفان بأولوية حقوقنا، بفضل موقعنا في إفريقيا وقربنا من الجزائر. المخزن نفسه كان يبدو مستعدًا للتعاون معنا.

في يناير 1905، توجهت البعثة الفرنسية برئاسة السيد سان رينيه تاياندييه، وزير فرنسا، إلى فاس، ببرنامج لم يكن سوى ذلك الذي كانت فرنسا تسعى إليه منذ عام 1901 لمصلحة جميع القوى التي لها علاقات تجارية مع المغرب، والذي تضمن، من بين إصلاحات أخرى، استعادة النظام من خلال تنظيم الجيش؛ وتحسين الوضع النقدي من خلال إنشاء بنك؛ وتجهيز بعض الموانئ، إلخ. وفي غضون ذلك، أبلغت الحكومة الألمانية الحكومة الفرنسية أنها ليست ملزمة بأي شكل فيما يتعلق بالمغرب بالاتفاقيات الفرنسية البريطانية والفرنسية الإسبانية، وأنها تزعم أنها تتجاهلها. واستحوذت الصحافة الألمانية على القضية؛ وسافر إمبراطور ألمانيا إلى طنجة (31 مارس 1905)، ليعلن أن السلطان هو "حاكم مستقل". وبذلك كان الصراع مفتوحًا فعليًا! ومع ذلك استمر الحوار بين فرنسا وألمانيا؛ وكان يهدد بأن يطول أو بالأحرى أن ينتهي بانفجار، عندما خطر للسلطان فكرة دعوة القوى الموقعة على اتفاقية مدريد لعام 1880 إلى مؤتمر، للنظر في الإصلاحات التي يخطط لها صاحب الجلالة الشريفة، والإصلاحات التي يتعين إدخالها في المغرب، وكذلك الوسائل اللازمة لتنفيذها.


قبلت الحكومة الألمانية على الفور مبدأ هذا المؤتمر، وانضمت الحكومة الفرنسية إليه في 8 يوليو. لقد أحدث مؤتمر الجزيرة الخضراء ضجة كافية ليبقى صداها في جميع الأذهان. ولنتذكر أن مفاوضات مندوبينا ودعم التحالفات القوية فيه حافظت على مصالحنا الاقتصادية ودعوتنا. ومن بين بنود أخرى، منحت أوروبا فرنسا: أولاً، مهمة مراقبة إيرادات الجمارك المغربية، والتي كان يجب أن يضمن 60٪ منها قرضًا قدمه رأس المال الفرنسي؛ وثانيًا، مهمة ضمان الأمن حول الموانئ المغربية المفتوحة بالتزامن مع إسبانيا.

في الدار البيضاء كان من المقرر نشر أول فرقة للشرطة. ومع ذلك، لم يكن لفرنسا أبدًا أهداف مباشرة في الدار البيضاء أكثر من غيرها من موانئ غرب المغرب. بل إن اختراقها للمغرب بدا وكأنه سيتم في نقطة مختلفة تمامًا، عبر الحدود الجزائرية المشتركة، وقد عانت محاولات الاختراق من قبل البحر، سواء من الفرنسيين أو البرتغاليين، في الماضي من إخفاقات دموية. في المقابل، مع تقدم نفوذنا تدريجياً عبر غرب مقاطعة وهران، كان يجب أن يقودنا طريق مباشر إلى فاس ومكناس، عبر وجدة وتازة، بعبور نهر ملوية؛ وكان خط سكة حديد، بدأ منذ زمن طويل، يشير إلى هذا الطريق الذي فيه.

كان احترام معاهدة إيسلي يبدو كفيلًا بإبعاد المنافسات الأوروبية. وكانت أسواق الحدود تجمع الجزائريين والمغاربة، بينما كانت السكك الحديدية—وقد بلغت عين الصفراء سنة 1881—تمتد إلى جنيّن بورزق ثم كولومب-بشار، وأصبحت فجيج وإقلي وبني عباس نقاط ارتكاز لشرطتنا المتنقلة. لكن الدبلوماسية كانت، في هدوء، تفتح شيئًا فشيئًا المنافذ المغربية على الساحل الأطلسي، وكان لزامًا علينا، تحت طائلة أن نتخلف عن الركب، أن ننقل جهودنا إلى هناك.

لقد منحنا مؤتمر الخزيرات (الجزيرة الخضراء – 1906) هذا الحق؛ فمصالحنا ووسائل عملنا ومعرفتنا بأحوال وأناس الإسلام، كانت تجعل أمتنا أكثر من غيرها مؤهلة لخوض هذه المهمة. غير أن هذا المؤتمر كان له عيب خطير، إذ جعل المغاربة يرون أن أوروبا ليست موحدة بقوة في الصراع الذي كان بلدهم مسرحًا له؛ وجعلهم يعتقدون، خصوصًا، أن ألمانيا تعارض تدخلنا وأنهم سيجدون فيها حليفة مستعدة دائمًا لمنعنا.

ولإعادتهم إلى الصواب، كان لا بد من عدة براهين على صلابتنا. فإزاء ضعف المخزن وعجزه، وإزاء رفضه المتواصل لتنفيذ الاتفاقيات وحماية رعايانا الذين قُتلوا أو أُهينوا أمام أعين أعوانه (مثل الهجوم على البعثة الهيدروغرافية التابعة للملازم دييه، واغتيال السيد شارونيي في طنجة، والاعتداء على السيد لاسّالاس في مراكش، والسيد سونان في وجدة، والسيد دو جيرونكور في فاس سنة 1906 — لم يكن في استطاعة الحكومة الفرنسية، من غير أن تعترف بالضعف، أن تتخلى عن سياستها أو عن احترام حقوقها.

تم القيام باستعراض بحري أمام طنجة (نوفمبر 1906) بموافقة القوى الموقعة على اتفاق الخزيرات، ولاحقًا — بعد اغتيال الطبيب موشان بمراكش في 19 مارس 1907، ومع رفض المخزن البحث عن الجناة ومعاقبتهم — تم احتلال وجدة دون أي مقاومة، بواسطة قوة عسكرية كبيرة لمنع أي احتمال للرد. وقد أقنع احتلال وجدة، كإجراء انتقامي، المخزن أخيرًا بأننا قادرون على فرض احترامنا، فوعد بالاستجابة لكل المطالب التي قدمناها؛ لكن الأوان كان قد فات. فقد كان عصيان رعاياه كبيرًا إلى درجة أنه لم يستطع كبحه، وفي 30 يوليو 1907 وقعت مجزرة الدار البيضاء، التي سُمح بها ضمنيًا من طرف باشا عاجز وسيئ النية، كان الأوروبيون قد طالبوا مرارًا بعزله.

تُعد الدار البيضاء أهم موانئ الساحل الغربي للمغرب، وكانت ساكنتها تُقدّر سنة 1907 بحوالي 30 ألف نسمة، من بينهم ألف أوروبي وكان يسكن المدينة حوالي 6,000 يهودي. أما السكان المسلمون فكانوا في معظمهم من البدو؛ إذ لم يكن العنصر العربي المتعلم، المهذّب، الرفيع، ممثّلًا فيها إلا عبر بضعة موظفين وتجار وافدين من فاس وطنجة وتطوان أو الرباط. وكان القسم الأكبر من السكان يتكوّن من القبائل المجاورة: مديونة، الزّناتة، وأولاد حريز.

فالطبقة الأكثر استقرارًا كانت هي طبقة الحرفيين وأصحاب الدكاكين، بينما كانت الفئات الأخرى تشكل جماعة متحركة من العمال والحمالين والجمالة، ظل أفرادها على اتصال دائم ووثيق مع القبائل. وهذا ما يفسّر السهولة التي استطاع بها مبعوثو تلك التجمعات القبلية المضطربة أن يحرّضوهم ضد الأجانب.

جاء ازدهار الدار البيضاء من خليجها، رغم أنه سيّئ الحماية، فهو معرّض تمامًا لرياح الشمال والشمال الغربي، لكنه عميق بما يكفي لاستقبال السفن الكبيرة على مسافة ميل إلى ميل ونصف من الساحل (ما يعادل 2 إلى 3 كيلومترات).
وكان ركوب ونزول المسافرين والبضائع يتم عبر قوارب مسطّحة القاع ذات غاطس ضئيل، مما يسمح لها بالدخول إلى خليج صغير حفَرته الأمواج في الحافة الصخرية للساحل: وهو الميناء الحقيقي للمدينة.

غير أنه خلال فترة العواصف، خصوصًا في فصل الشتاء، كان النشاط الملاحي يتوقف غالبًا بسبب تتكون، على بعد ميل واحد من الساحل، عقبة ضخمة تتشكل بفعل الرياح، فتجعل كل تواصل مستحيلا. لكن هذا الوضع نادرا ما يستمر أكثر من ثلاثة إلى أربعة أيام متتالية، بينما يستمر في العرائش والرباط وآسفي لأسابيع وأحيانا لأشهر كاملة.

المدينة محاطة بأسوار عالية بيضاء، مدعمة بأبراج مربعة ضخمة، ولها أربع بوابات: باب السوق، باب مراكش، باب الريح، باب المرسى. وهذه الأخيرة تربط الميناء بمصلحة الجمارك، وتحت قوسها وقع حادث الخامس من غشت 1907. وكانت بعض أبراج الدفاع، ومعها حصنان يواجهان البحر، مجهزة بقطع قديمة من المدفعية، تستعمل فقط لتحية وصول رسالة شريفة أو سفينة حربية أوروبية، لكنها لم تعد قادرة على إحداث أي رهبة في نفوس القبائل المجاورة.

تنقسم الدار البيضاء إلى ثلاثة أجزاء: المدينة، حيث يسكن الأوروبيون وتوجد الأنشطة التجارية؛ والملهى، وهو الحي اليهودي؛ ثم التناكر، ويسكنه السكان المحليون. وخارج أسوار المدينة، في جهة باب مراكش، يوجد تجمع كبير من الأكواخ والخيام التي تأوي السكان ذوي الأصول الإفريقية.

كيف أصبحت الدار البيضاء مركزا للتمرد؟

بطريقة طبيعية جدا. فبالإضافة إلى الأسباب العامة التي تحدثنا عنها سابقا التي كانت تؤجج باستمرار مشاعر السكان المحليين وتبقيهم في حالة غليان دائم، جاءت أسباب محلية سريعة التأثير فدفعت بالأحداث إلى التصاعد.

قبائل الشاوية المجاورة للدار البيضاء، والتي لم تكن تعترف بسلطة المخزن إلا بشكل صوري، اضطربت بسبب الإصلاحات التي أراد السلطان عبد العزيز إدخالها على جمارك الموانئ وفقا لاتفاق سنة 1904. وبعد تحريض مناسب من بعض القياد المستفيدين من الوضع، لم تتأخر هذه القبائل في التعبير عن احتجاجات قوية بسبب تشغيل موظفين فرنسيين لمراقبة الجمارك، وهو إصلاح كان سيقضي على مصدر مهم من مصادر المكاسب غير القانونية، سواء بالنسبة للموظفين المغاربة أو للتجار القليلين الضمير الذين كانوا يعتبرون الفساد أحد أنجع وسائل تسيير المخزن.

كما أن أشغال ميناء الدار البيضاء كانت بدورها مصدر قلق لهم. ففي سنة 1906 حصلت شركة فرنسية، هي مؤسسة شنايدر في كروزو، على امتياز استغلال هذا الميناء. وبدأت الأشغال في مارس 1907، وتم تشغيل أوروبيين من جنسيات مختلفة، خصوصا فرنسيين وإسبان.

ولأجل تسهيل بناء الجدار البحري ونقل المواد وقطع الحجارة، كان من الضروري إنشاء خط صغير للسكك الحديدية ضيق المسار، يمتد بمحاذاة البحر حتى يصل إلى مقلع على بعد 1500 متر من المدينة، بين المقبرة العربية لسيدي بليوط وعين محزي. أثار هذا الخط الحديدي سكون المسلمين وأيقظ تعصب الشاوية. فبالنسبة لهم، كان هذا المسار الضيق، الذي شُيّد ظاهريًا لتسهيل أعمال الميناء، بمثابة نواة لخط سكة حديد اختراق كبير مُعدّ لانتهاك أسرار المغرب ذات يوم.

وكانت مؤامرة مغربية كفيلة بإشعال فتيل الأزمة. فقد استشاط الحاج حمون، قائد أولاد حريز، وابن حاكم الدار البيضاء السابق، غضبا لأنه لم يخلف والده في المنصب وحل محله سي بو بكر بن بوزيد. فدبّر خطة، بمساعدة القبائل، لإثارة اضطرابات خطيرة تستهدف الأجانب بشكل رئيسي، وذلك لتسليط الضوء على عجز منافسه وإثارة استياء السلطان ضده، خصوصا مع تورطه في تعقيد جديد.

وكانت سلطة واحدة فقط -سلطة مولاي الأمين، عمّ السلطان وقائد المْحَلّة في الدار البيضاء- قادرة على التدخل بينه وبين خصمه؛ لكن ماذا كان باستطاعة هذا الشيخ السبعيني، الفقير وسهل الإقناع، أن يفعل أمام ابن الحاج حمو، الرجل النشيط والطموح وصاحب الثروة الكبيرة؟

أمّا بوبكر، فإمّا عن حساب أو عن لامبالاة، بدا وكأنه يساند خططَ منافسه؛ فلم يعرف، أو لم يشأ، أن يقاوم مطالب القبائل التي كانت محرّكة من بفعل تحريض الحاج حمو، كانت قبائل الشاوية ستنقضّ قريبًا على الدار البيضاء، تلك المدينة التي كانت دائمًا مطمعًا لهم. فالشاوية، في الواقع، بعدما تمرّدوا على المخزن، واحتفظوا بالأموال الطائلة التي كان يفترض أن يدفعوها له كضرائب، زادت قوّتهم العسكرية بسرعة من خلال شراء الخيول والذخيرة والبنادق السريعة الطلقات.

وكانت علاقتهم بالمسيحيين سيّئة جدًا، وبدأوا يعتبرون الفرنسيين أعداءهم المباشرين، خصوصًا عندما شاهدوا بداية أشغال الميناء وإقامة محطة للتلغراف اللاسلكي. ومع الشحن الذي كانت تثيره خطب الساحر ماء العينين، وتحريضات الحاج حمو، ومع شعورهم بالقوة والاستقلال، وهم فرسان لامعون لا يكلّون، ورماة ماهرون، صاروا يتلهّفون لنهب المدينة وطرد الأوروبيين.

في 28 يوليوز 1907، تقدّمت وفدh من القبائل أمام الباشا سيدي بوبكر، وطالبته بإلغاء المراقبين الفرنسيين في الجمارك، وإيقاف أشغال الميناء فورًا، وتدمير السكة الحديدية. فارتبك سيدي بوبكر، وأجاب بأن الأشغال صدرت بأمر من السلطان، وطلب مهلة للتفكير إلى الغد، واعدًا بجمع أعيان المدينة خلال اليوم ودراسة الوضع معهم.

غير أن الأهالي، وقد أصابهم الإحباط والغضب، قرروا غزو المدينة وتطهيرها من كل قوة…من أيّ سلطة أوروبية، ونهب الحي اليهودي، ذلك الملاح الذي كانوا يعتبرونه فريسة يمكن أن تمنحهم كل التعويضات عمّا لحقهم من خيبات.

في 30 يوليوز، لم تحضر الوفود موعدها مع الباشا. وكانت بوادر المأساة تلوح في الأفق. بدأ الاضطراب يظهر في المدينة؛ مجموعات تتشكل، نقاشات تدور؛ ومنادٍ عمومي يزعم أنه مُرابِط، يطوف في المدينة وهو محاط بزنجي على ظهر حصان، يبشّر بالحرب المقدسة ويُطلق اللعنات على المسيحيين. وشاهدٌ برتغالي شاب، حضر الواقعة، تجرّأ أثناء مرور المرابِط أن يهز كتفيه استهزاءً، فوجه له الزنجي الممتطي حصانه ضربة بفأس صغيرة، لكنها على غير المتوقع لم تُصبه إلا إصابة غير خطيرة.

وبعد إبلاغه، توجّه القنصل البرتغالي على الفور إلى القنصل البريطاني، عميد السلك القنصلي في غياب قنصل فرنسا، السيد مالبارتوي، الذي كان في إجازة بفرنسا. فجمع القنصل البريطاني فورًا جميع زملائه، ووجّهوا احتجاجًا جماعيًا مع طلب عاجل لمقابلة سيدي بوبكر. وحدّد اللقاء على الساعة الثانية بعد الظهر. ولعلّه كان سيفكّ الأزمة؟ لكن لسوء الحظ ستتسارع الأحداث، وسيسيل الدم.

بعض المغاربة من أهل المدينة، من أولئك الذين يعيشون يوميًا بين الأوروبيين، كانوا يتجولون في المقالع التي تُستخرج منها الحجارة المخصّصة. وفجأة، شوهدوا يكدّسون كتلًا كبيرة من الحجارة فوق السكة الحديدية لمنع القاطرة والقطار من الوصول إلى الميناء. فتقدّم عامل أوروبي نحو الأهالي ووبّخهم على تصرّفهم. ولما هدّدوه، هرب، لكنهم طاردوه ولحقوا به، فطرحوه أرضًا ورجموه بالحجارة حتى قُتل.

وفي تلك اللحظة كان القطار ينزل نحو الميناء، وبسبب كومة الحجارة الموضوعة فوق السكة اضطرّ السائق إلى توقيف القاطرة. فحاصره الحشد الغاضب فورًا، ولم يلبث أن سقط صريعًا تحت وابل من الحجارة وطعنات الخناجر.

وكان في القطار بعض العمال ومراقبي الورش، فحاولوا الفرار لما أدركوا المصير الذي ينتظرهم؛ غير أنّهم أُمسك بهم في الحال، وسقطوا الواحد تلو الآخر تحت غضب المغاربة المستعرين، المخمورين برؤية الدم. فسقط ثلاثة فرنسيين وثلاثة إسبان وثلاثة إيطاليين ضحايا لهذا التعصّب الديني.

ولما انتهت المجزرة، ولم تعد الأجساد سوى كومة من الأشلاء والعجين الدموي، تحوّل غضب أولئك المتوحشين نحو القاطرة والمعدات. فتمّ تدمير كل شيء بسرعة، وأُضرِمَت نارٌ عظيمة تحت الهيكل المعدني الذي قاوم كل محاولات تكسيره.

وكان الدكتور ميرل، الطبيب التابع للقنصلية الفرنسية، قد شاهد من فوق سطح منزله تلك المشاهد الرهيبة التي جرت على الشاطئ، ووجد نفسه عاجزًا عن التدخل، فأرسل مبعوثًا على وجه السرعة إلى السلك القنصلي المجتمع لدى الباشا أمام احتجاج القناصل الشديد، أجابهم سيدي بوبكر بأنه عاجز، لأنه لا يملك خراطيش يوزّعها على جنوده؛ إلا أنه، وأمام الموقف الحازم لنائب القنصل الفرنسي، وعد ليس فقط بتسليح رجاله، بل أيضًا بإرسالهم على طول خط السكة الحديدية لوقف الاندفاع الوحشي للمتعصبين، وجلب جثث الضحايا التعساء.

وتوجّه الدكتور ميرل، رفقة أربعة عشر فرنسيًا غير مسلحين، وتحت حماية عشرة جنود من المخزن، إلى الشاطئ لمعاينة الأحداث والإشراف على نقل الجثث. لكن المشهد الذي رأوه فجّر فيهم غضبًا شديدًا. فجنود المخزن، معتقدين أن الغضب موجّه إليهم، صوبوا بنادقهم نحو المجموعة الصغيرة من الفرنسيين، بينما كان الغوغاء يتهيؤون لرجمهم بالحجارة.

ولحسن الحظ، ظلّ الفرنسيون متماسكين، وتراجعوا بحذر، وتحت وابل من المقذوفات، لجؤوا إلى القنصلية الفرنسية.

وبينما كانت هذه الأحداث تتوالى، كانت الفوضى تزداد في المدينة. فمن باب مراكش وباب السوق، كان رجال القبائل المحيطة بالمدينة—الذين لم تكن أي سلطة تكبحهم—يتدفقون إليها باستمرار، فقبضوا على الباشا ونشروا الرعب في كل مكان.

أما الأوروبيون، فبسبب خوفهم من تطوّر المأساة، احتموا بقنصلياتهم، بينما كانت مجموعة من المتمرّدين تقتحم الملاح وتعتدي على اليهود. وطوال بعد الظهر، كانت النساء العربيات على الأسطح يطلقن زغاريد الفرح، احتفاءً برحيل المسيحيين.

وكانت في المرسى الباخرة "موغادور"، التي ستغادر في مساء اليوم نفسه. فطلب القائم بالأعمال في القنصلية من الدكتور ميرل أن يصعد إليها ويتوجّه إلى طنجة ليعرض الأحداث على وزير فرنسا. ثم، وبفضل إلحاحه الشديد، حصل من الباشا على حراسة من "العسكرِيّين" لحماية القنصلية. لكن، وبسبب التعاطف الواضح لهؤلاء العسكر مع المتمرّدين، تمّ تسليح موظفي القنصلية وسحب الحراسة.

ولم يكن هذا الإجراء مطمئِنًا لأهالي المدينة، إذ ظلّت الأوضاع مهدِّدة. ولهذا طلبت الجالية الفرنسية اللجوء إلى سفينة كانت تبحر قرب الساحل. فبضغط من قنصلية فرنسا، وبدعم قنصل إنجلترا، وافق الباشا على توفير مرافقة لإيصال الجالية الفرنسية إلى الميناء.

وتمّت عملية الإركاب بدون حوادث كبيرة، على متن سفينة بضائع إنجليزية. وفي تلك اللحظة، حاول عمّ السلطان، مولاي الأمين، قائد المْحَلّة المكلّفة بإعادة النظام إلى المنطقة - وقد تأثر بشدة من الأحداث التي حمّلت المخزن مسؤولية كبيرة - التدخل لتهدئة الأوضاع. لقد طلب مولاي الأمين من القنصل الفرنسي الإذن بتولّي قيادة القوات داخل المدينة، وأخبره بنيّته عزل الباشا وتعويضه بقائد أولاد حريز، الحاج حمو، في انتظار أوامر السلطان. وقد قَبِل السلك القنصلي بهذه المقترحات.

في 31 يوليوز، وبعد وصول الدكتور ميرل إلى طنجة، أُخبِر وزير فرنسا هناك بالأحداث، فأرسل برقية إلى باريس، وأصدر أمرًا إلى الطرّاد "غاليلي"، الذي كان يقوده القائد أوليفييه ويتواجد قبالة الميناء، بالإقلاع فورًا إلى الدار البيضاء. ووصل الطرّاد في اليوم التالي، فاتح غشت، إلى مشارف الميناء، فاتصل فورًا بالقنصلية، التي قرّرت تأمين حماية الجالية الأوروبية عبر إقامة نقاط حراسة من البحّارة. غير أنّ نزول هؤلاء الجنود لم يكن مقرّرًا إلا بعد التنسيق مع السلك القنصلي، وبناءً على إشارة من مراقب القنصلية الفرنسية.

لكن موافقة السلك القنصلي لم تصل، إذ رأى القناصل جميعا أنه إذا نزلت القوات الفرنسية في هذا الوقت وبأعداد غير كافية، فإن ذلك سيكون الشرارة لمجزرة شاملة بحق الأوروبيين.

ومع ذلك تلقّى الباشا أمرًا بإخلاء الطريق الذي يربط القنصليات بالمارينا من رجال القبائل المسلّحين الذين كانوا يحتلّونه منذ يومين، وتم إبلاغه أيضًا بأنه في حال حدوث أي إنذار يعرّض حياة رعايانا لخطر حقيقي، كان الطرّاد غاليلي سيتلقى الأمر بقصف المدينة. وقد حظيت هذه القرارات - التي أقرّها السلك القنصلي بأكمله - بالموافقة نفسها التي أصدرها وزير فرنسا في طنجة، والذي كان يرى أن الطراد غير قادر على تنفيذ إنزال عسكري بقواه وحدها. وقد تركت هذه الإجراءات أثرًا رادعًا على السلطات المغربية، وفي مساء اليوم نفسه اتخذ الباشا الترتيبات اللازمة لتطهير المدينة من رجال القبائل.

ومن 2 إلى 4 غشت، ساد هدوء نسبي، واستُعيد النظام داخل المدينة: إذ حلّ مولاي الأمين محلّ سيدي بوبكر، فحرم القبائل من أداتهم المطيعة، ووضع نقاط حراسة في الشوارع، وطهّر المدينة. وبدأ الأوروبيون يتنفسون الصعداء: صاروا يخرجون لكنهم يتجنبون التجمعات، غير أنّ الحياة ظلت مليئة بالقلق والترقب. أليسوا تحت رحمة أي طارئ؟

عندها، وبناءً على طلب نائب القنصل الفرنسي الذي عاد من عطلته يوم 2 غشت، أمر القبطان أوليفييه بنزول عشرة بحّارة من غاليلي سرا، بقيادة الضابط كوزم، لتأمين حراسة القنصلية؛ كما جرى نقل الأسلحة والذخائر إلى البر داخل صناديق تحمل ملصق “معلبات”. وكانت هذه الحماية بلا شك رمزية أكثر مما هي فعّالة، لكنها عززت ثقة الجالية الفرنسية كلها، بينما ظلّ الطراد غاليلي راسيًا بلا حركة قبالة الساحل، كان يتحين الفرصة للتحرك بفارغ الصبر، تواقا لنيل المجد قبل وصول القوات البحرية. غير أنه، واتفاقا مع السلطات الفرنسية، كانت مهمته تنحصر في ضمان سلامة رعايانا لا ممارسة القمع؛ والحال أن هذه السلامة كانت مؤمَّنة ومكفولة من قبل مولاي الأمين، الذي أكدت القنصلية حسن نواياه.

فلماذا إذن الإصرار على التحرك وتنفيذ الإنزال رغم التعليمات الصريحة لوزير فرنسا في طنجة، ورغم القرار الذي اتخذه السلك القنصلي؟ لقد بذل نائب القنصل الفرنسي قصارى جهده واستخدم كل نفوذه ليضمن من قيادة البارجة «غاليلي» عدم انتهاك التعهدات المقطوعة دون مبرر؛ إلا أن الأحداث كانت أقوى من حذره..

وفي ليلة الرابع من غشت، وحوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، تلقت القنصلية على حين غرة البرقية التالية من القائد أوليفييه: «مع بزوغ الفجر، سيرسو سرب بحري أمام الدار البيضاء وستبدأ قوات ضخمة في الإنزال فوراً، من الضروري إخطار مولاي الأمين، وبشكل عاجل، بأن المدينة ستتعرض للقصف عند إطلاق أول رصاصة».

أما البارجة «دو شايلا»، التي أُرسلت لإسناد «غاليلي»، فكانت في تلك اللحظة قبالة «رأس سبارتيل»؛ وقد تواصلت لاسلكياً مع «غاليلي» وبعثت إليها ببرقية نُقلت بشكل غير دقيق أو غير مكتمل إلى القنصلية حوالي الساعة الحادية عشرة مساء. وبالفعل، فقد ثبت أن البارجة «غاليلي» قد أُبلغت بأن البارجة «دو شايلا» لم تكن سوى طليعة متقدمة، وأن أسطولا فعليا يحمل قوات ضخمة سيتبعها في غضون 24 أو 48 ساعة.

وهكذا، فرضت «غاليلي» الأمر الواقع على القنصل نوعا ما. وبما أن قرار الإنزال قد اتُّخذ، فقد قام قنصل فرنسا بإخطار زملائه الأجانب ومولاي الأمين رسمياً بذلك؛ علاوة على ذلك، طُلب من مولاي الأمين ترك «باب المرسى» (باب البحر) مفتوحاً، والسهر على أن يجري كل شيء في نظام تام، وألا تُراق قطرة دم واحدة، إذا ما أراد تجنب قصف المدينة.

أجاب مولاي الأمين على الفور بأن الأبواب ستكون مشرعة، ولن يعترض أحد طريق البحارة الفرنسيين للدخول إلى الدار البيضاء.

في القنصلية، الكل ساهر يقظ، ومع بزوغ فجر الخامس من غشت، يترقب الجميع من أعلى الشرفة (برج المراقبة) وصول التعزيزات؛ ولكن لا شيء يلوح في الأفق! وفجأة، ومع دقات الساعة الخامسة صباحا، انطلقت من «غاليلي» ثلاثة قوارب تقل سبعين بحاراً تحت إمرة الضابط «بالاند».

جرت عملية الإنزال ببطء بسبب حالة الجزر (انحسار البحر)، وبدا أن كل شيء يسير على ما يرام. تولى الضابط «بالاند» قيادة الكتيبة مسترشدا بمترجم القنصلية، وتوجه نحو «باب المرسى». وفي اللحظة التي وصلت فيها قوة البحارة الصغيرة، أُغلق هذا الباب فجأة من قبل المغاربة؛ غير أن الضابط، الذي رأى لوحي الباب على وشك الالتحام، وجه ضربة قوية بكتفه، ودفع الباب، وفتح بذلك لرجاله طريق الدخول إلى المدينة، وفي اللحظة نفسها، انطلقت رشقة نيران من مجموعة من الجنود المغاربة المكلفين بحراسة الباب، فأصابت رصاصة يد الضابط بالاند.

اندفع البحارة الغاضبون، وقد ثبتوا الحراب على بنادقهم، واجتازوا الباب الذي استسلم، واتجهوا عبر الأزقة الضيقة نحو القنصلية الفرنسية الواقعة على بعد 250 متراً من هناك، وذلك تحت وابل من الرصاص، مدمّرين كل ما يعترض طريقهم.

يا لها من مشاعر قلق انتابت مَن في القنصلية عند سماع دوي إطلاق النار وصيحات العامة! وكما كان متفقاً عليه مع البارجة «غاليلي» في حال وقوع أي حادث، أُعطيت إشارة البدء بالقصف.

وفي اللحظة التي وصلت فيها المفرزة الفرنسية إلى القنصلية وتحصنت بها، بدأت مدافع الطراد بإطلاق النار، بينما كانت أعيرة نارية تنطلق من جميع الأسطح، مهددة القنصليات. حينها غطى القصف المدينة بأكملها بالحديد والنار!

تلقت القصبة، حيث توجد مدافع قديمة، بعض القذائف، ودُمّرت بيوت وتفجّرت أجزاؤها، واشتعلت النيران في أرجاء المدينة الأربعة، وعلى صوت المدافع، اقتربت القبائل التي كانت ترابط بالقرب من المدينة وبذلت قصارى جهدها لاختراقها، على الرغم من النيران التي كانت «غاليلي» توجهها بفاعلية نحو التجمعات المتشكلة.

لقراءة تكملة الكتاب اضغط هنا .

صور من الكتاب تم تحسين جودتها بالذكاء الاصطناعي

مدافع السقالة

مدافع السقالة بالدار البيضاء
باب السوق
باب السوق


إرسال تعليق

أحدث أقدم